الشجاعة دائما هي في قول الحقيقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضية مهمة كقضية التعليم في المملكة، والتي بقيت لعقود تحمل ذات الفكر والنهج اللذين لا يؤمنان بتطور العقل وتفتح المدارك على علوم وتجارب الأمم، وكأنا خلقنا ليتوقف عندنا الزمن عن غيرنا، فما كان قبل 50 سنة ما زال يردد حتى اليوم، ومن استطاع التغيير شيئا يسيرا فهو مجاهد ولا شك، لأن أمور التغيير في التعليم تحديدا تشن لأجل إجهاضها غزوات، يداهم عناصرها الوزارة متمركزين في واجهة المكان للضغط عن قرب على صانعي القرار ليعدلوا عن أي فكرة تنويرية خاضعين للمطالب وجابرين للخواطر التي هبت لدحر ما رأت فيه تهديدا لسيطرتها على مفاصلة، فكان لها وما زال كما ترغب وتشتهي.

وزير التعليم أحمد العيسى شخص في مقاله الشهير "تعليمنا إلى أين"؟ واقع التعليم ومشاكله ولو لم يقل أو يفعل إلا إياه لكفاه، فهو لم يكمل في منصبه الوزاري بضعة أشهر غير أنه استوعب أعظم المشاكل وأعمقها، ولم يكابر ويسرد الوعود بالإصلاح في وقت قياسي، إلا أنه دعا وتمنى وطلب العون والمساعدة لتعديل ما يمكن في التركة العتيقة، فقد أعيا من كان قبله اتساع الخلل وكثرة الوارثين ليغادروا المنصب وتغييرات بسيطة شملت السطح وتمثلت في تشكيل لجان أو استحداث إدارات وإصدار تعاميم للالتزام بأمور شكلية، فكانت هذه مرتكز الاهتمام لا أكثر.

والمشكلة أننا لا نعي أهمية هذا القطاع ودوره، فهو من يشكل ذهنية النشء ويغرس فيهم القيم الإنسانية التي نحتاجها لنعيش بسلام وتطور بعيدا عن السوداوية وكره الحياة وتبني العنف كسلوك لتعاملنا مع الآخرين، التعليم هو الأقدر والأخطر على برمجة العقول وفق رغبة المبرمج، فهو يتسلم عقولا بيضاء ويبدأ في تلوينها وفق أهوائه، ليخرج في النهاية مفارز كاملة لا ترى أمامها إلا عنفا، وكراهية، والمشاهد تتجسد لنا حية كل يوم.

والحقيقة أن الوزير العيسى يستحق من المجتمع السعودي الدعم والتشجيع، فهو من أشار إلى الخلل بوضوح، كاشفا السر لمن ما زال يتساءل بدهشة عن القوة العظمى التي غيرت في توجهات الكثيرين من أفرد المجتمع وقادتهم دون بصيرة إلى التبعية العمياء التي لا تبصر مصيرها.