حينما تبدأ في قراءة مقالي، كل ما أطلبه منك أن تبتعد عن "الشخصنة"، على الأخص إذا ما كنت من مملكة "الحلوميين"، أي المنتمين إلى شبكة الفنانة أحلام الشامسي. حاول أن تصدق أنني لن أقارن نفسي بأي شخص استطاع أن يصل إلى القمة والنجاح، الأمر في غاية البساطة والسهولة، لا يمكن أن يكون هناك أي مكسب عميق لي شخصيا، وأنا أحاول أن أكون ساذجة بالتعب والضجر من أي شخص قادر على النجاح، مؤمنة بما قاله ماريو فارغاس بوسا، صاحب رواية "حفلة التيس" و"رسائل إلى روائي شاب"، يهمني حقا أن تقرأ ما قاله ماريو، كي أستطيع أن أصف لكم مشاعري، تجاه أي حلومي سكب دموعه الغزيرة بعد توقف البرنامج الذي حقق معجزة عظيمة، لأنه توقف بعد أول حلقة فقط من عرضه على شاشة تلفزيون دبي، لست فنانة كي أتشفى بإيقاف برنامجها، ولست من منافسيها في مجال عملها الفني، ولم تشوش على مشاعري وأفكاري وهي تستعرض مجوهراتها، ربما لأنني لست من هواة اقتناء المجوهرات. الأمر لا يتعلق بالإساءة إليها عبر مقال، فمن وجهة نظري الشخصية جدا، لا أراها إلا نموذجا لفنانة خليجية استطاعت أن تحفر الأرض بأصابعها العشرة، كي تصل إلى ما وصلت إليه من التزام وطموح كبير.
إذاً، هل نستطيع أن نتوقف قليلا لنقرأ ما قاله ماريو صاحب كتاب "حفلة التيس"، إذ قال "إنه إذا لم يكن الكاتب يملك حظ ولادته موهوبا، عليه أن يصنع موهبته بالكد والعمل والانتقاد الذاتي"، وأضاف أن هناك ثمة حالات استثنائية ونادرة، هي حالات العبقرية الفطرية الصاعقة، أكاد أقول الجينية، لكُتاب يكتبون منذ شبابهم أشياء رائعة، ولكن ليس هذا المعيار، ما قاله ماريو ينطبق على مختلف المجالات الإبداعية وليس فقط في مجال الكتابة، ركزت كثيرا على بوصلة المثابرة والنجاح، فهو يقول عن معلمه "فلوبير" إنه عمل وعمل وعمل حتى انفجرت عبقريته أخيرا، وبالتأكيد كنت أفكر في الفنانة أحلام التي اجتهدت كثيرا، كي تصبح سيدة ثرية، وتتباهى بما تملكه، وهي تتوقع أن كثيرين من حولها لا يمكن أن يملكوا جزءا ولو يسيرا من ثروتها المجوهراتية، رغم أنها مدركة تماما أن ما وصلت إليه لم يأت إليها من ورث عائلي أو غنيمة وصلت إليها وهي صغيرة في العمر، لكن ما حققته جاء نتيجة عمل جبار لا يتوقف من إحياء حفلات الأعراس والمهرجانات الغنائية، ومجهود لم ينقطع طوال 20 عاما، اجتهدت وتعبت كثيرا كي تصبح نجمة غنائية، هذا النجاح لم تستطع أن تستغله بشكل جيد، فلجأت بوعي أو حتى من دون إدراك عميق بداخلها إلى الميل نحو النزعة النرجسية، ولكن من نحن كي نطلب من الآخرين أن يصبحوا على ما نريده نحن منهم أن يكونوا عليه، أن يصبحوا ملائكة، أن يحملوا قيما نبيلة وتواضعا منقطع النظير حتى نرضى عنهم.
إصابة الفنانة بالنرجسية لم يكن عائقا كي يتابعها الملايين، ويتسلوا بقصصها وحكاياتها، ومشاهدة مجوهراتها وطائرتها الخاصة، وماذا بعد ذلك؟ ماذا بعد كل هذا الخلل النفسي أو الفكري؟ هل لأنها غالت كثيرا في تمجيد ذاتها أكثر مما ينبغي؟ هل يعود ذلك لأنها كانت تأمل بأن تصبح ملكة، وألقت اللقب على نفسها، وصفق لها جمهورها الذي أحب شخصية هذه المرأة؟
الأمر بكامله لا يعود لنا، لم تكن تريد الفنانة أن تشبه البقية، لم تكن تريد أن تخبئ ما حمل إليها عملها وجهدها، رغم أن الفنانة الاستعراضية هيفاء وهبي حصدت المركز الأول كأكثر الفنانات ثراء، إذ قدرت ثروتها بـ54 مليون دولار، لكن ذكاء وهبي والتي تقترب من الخمسين من العمر، كان أكثر من أن تسمح لنفسها بالسقوط في التباهي والاستعراض، وكعادة اللبنانيين أو النموذج المعروف عنهم، لم تتوقف عن العمل بصمت وذكاء غير مكتفية أو قانعة بالثروة الكبيرة التي حصلت عليها.
شاهدت الحلقة الأولى من البرنامج، رغم عدم اهتمامي به، لكن ابن أخي الصغير، والذي لم يتجاوز من العمر 15 عاما، كان من المتيمين بالفنانة أحلام، وطلب مني الجلوس معه لمشاهدة البرنامج، وقد اقشعر جسدي وأنا أشاهد الحلقة التي جعلتني أطيش غضبا وحنقا، وعلى الأخص السادية الذي ظهرت بها الفنانة، فالحياة تغيرت تماما ولم أعتقد أن الاستعباد بات حيا حتى اللحظة التي شاهدت فيها البرنامج "ذا كوين"، المؤلم أكثر هو مشاركة الشباب من الجنسين من وطني من المملكة، هل يعقل أن يتحول الشباب في وطني إما إلى "دواعش" أو توابع في مملكة الحلوميين؟ هل من الممكن أن يكون هناك حل وسطي آخر؟ هل من المعقول أن يعاني شبابنا إلى هذه الدرجة من عدم الوعي والصعوبة الشديدة في البقاء راشدين من دون مشاكل أو تفاهة.
وفي النهاية توقف البرنامج، وجالت في رأسي أغنية قديمة لعبدالله الرويشد وهو يقول "اسكت ولا كلمة، لا تقول ولا تكثر"، حينما خرست أحلام عن التغريد بأنها الملكة، وأدركت حجمها الطبيعي، ولكن يبقى المتسابقون الذين يجب على أخصائي علم النفس مراجعة حالاتهم، لمعرفة كيف باتت أقصى طموحات شبابنا أن يكونوا في مملكة وهمية اسمها أحلام أو "داعش"!