التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي باراك أوباما في مجلة "ذي أتلانتيك" جاءت مفاجئة ليس لنا في المملكة العربية السعودية، بل لحلفاء الولايات المتحدة الآخرين، منهم: بريطانيا وفرنسا وتركيا، إلا أن الجزء الذي يجب نتوقف عنده هو اتهام أوباما للمملكة بأنها تؤجج الصراع الطائفي في الشرق الأوسط، وأنها تغرد خارج السرب، وتموّل التعصب الديني، وترفض التوصل إلى التعايش مع إيران!

إن التناقض العجيب في التصريحات الاتهامية التي أدلى بها أوباما هو محاولته -الفاشلة- للتغطية على الفشل الذي منيت به إدارته خلال 8 سنوات ماضية، تم فيها غضّ الطرف عن أهم مصدر للإرهاب في المنطقة، وهو نظام الملالي في طهران. 

ولكن يبدو أن ما أدلى به الرئيس أوباما لم يأتِ على سبيل "الفضفضة" في الانتقاد، بل هي إيحاءات لخلفه الرئيس الأميركي القادم بأن هنالك إستراتيجية خارجية جديدة للولايات المتحدة تم رسمها، وتتمثل في الانسحاب من الشرق الأوسط ومشاكله العويصة، والدخول في سياسات انفتاح جديدة حتى على من كانوا أعداء الأمس؛ انطلاقا من مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وأن لا عداوات وتحالفات دائمة في ظل مصالح دائمة!

لكن الجدير ذكره، أن سياسة الولايات المتحدة تتسم بالحيوية وعدم الجمود والثبات عند وضع معين، فالمصالح تغير المسارات بحسب مقتضى الحاجة، والإستراتيجيات تتم مراجعتها باستمرار ويتم تقويمها، غير أن السيد أوباما فشل في استخدام مبدأ تحويل الانتباه "Diverting Attention" لمداراة فشله السياسي أمام الرأي العام الأميركي والعالمي على المستوى الخارجي لسياسة بلاده بعد ثماني سنوات قضاها في البيت الأبيض، بدت خلالها الحكومة الأميركية ضعيفة مترددة لا قرار لها، بل إنها متقلبة بشكل ملحوظ جعلت السيد أوباما ينسى كل وعوده التي قطعها للشعب الأميركي وللعالم، وهنا تكون تصريحاته التي جاءت تحت عنوان "عقيدة أوباما" هي مجرد مبررات للفشل!

تحدث السيد أوباما كثيرا عن الديموقراطية، وهو الذي جبن عن فرضها حين قرر عدم التدخل في الأزمة السورية، وكان العالم يلوم الولايات المتحدة بسبب تغاضيها -لعقود- عن أنظمة قمعية مخابراتية في دول مختلفة من العالم، وأهمها النظام السوري والإيراني الحاليين، في ظل التهميش الممنهج لأفراد تلك المجتمعات وفقرها وتجهيلها، لا بل يبدو أن الاحتمالات واردة في تطبيع الولايات المتحدة العلاقات مع مثل هذه الأنظمة، في رضوخ واضح للواقع الذي أسهمت في صناعته وتكريسه.

والواقع الحالي يوضح أن سياسة إدارة السيد أوباما لم تكن لديها خطوات كانت مرسومة لإشاعة السلام في الشرق الأوسط كما وعد، ولا لفرض الديموقراطية لدى الشعوب المنهكة، ولا بمحاربة الإرهاب التي ينبثق مم "محور الشر"، بل اعتمدت إدارته على تكريس المبدأ البراجماتي الشهير "الليمونة المعصورة"، مما قد يضطر الأصدقاء والحلفاء إلى الحذر الشديد، ففي ظل هذه السياسة التي تبنتها الإدارة الأميركية الحالية تعطي احتمالا بأن أصدقاء الأمس قد يكونون أعداء اليوم، وأعداء اليوم ربما كانوا أصدقاء الأمس، لكن الاحتمال الوارد الأكثر غرابة وصعوبة هو مبدأ "لا أصدقاء ولا أعداء"!

وقد قلنا سابقا إن هذه السياسة تجبر حلفاء الولايات المتحدة على أن يكونوا مستعدين لكل اللحظات الحرجة، وربما يغيرون سياساتهم إلى تعدد الأقطاب والتحالفات السياسية، فالسياسات الأميركية في عهد أوباما أعطت انطباعا للرأي العام العالمي بأنه يمكن للولايات المتحدة أن تتخلى عن كل مبادئها التاريخية الراسخة في ظل ظهور مؤشرات لمصالح جديدة في الأفق.

غير أن الواقع ينفي هذا الانطباع، فمداراة الفشل السياسي بفشل آخر قد يجبر السياسة الأميركية على الاستمرار بسلوك الطريق الخطأ، وعلى الرغم من انحسار فرص التحالفات والأقطاب نظرا لتعدد وتناقض المصالح والمبادئ الإستراتيجية، إلا أن الأساس في المسألة هو إيجاد إستراتيجية التأثير في ظل وجود القابلية لها، فالصورة الذهنية لدى الشعب الأميركي والغربي بوجه عام هي اعتبار النظامين الإيراني والسوري مهددان للسلم العالمي، وإن حاول الرئيس أوباما تناسي ماضيهما في ظل انتظار رئيس ضمن إدارة جديدة.