في الحقيقة، إنني صباح أمس استيقظت بمزاج سيء على غير العادة، الأمر لا يتكرر معي كثيرا، ولكن البكاء الذي لم ينفصل ولو جزئيا عن مشاعري، بسبب فقدان والدي، لم يجعلني أشعر بالعزلة ولو ورقيا عن الآخرين، بل أسهم بإدخالي رغما عني وسط القبيلة الكبيرة، حتى شعرت بأنه يمكنني يوما ما أن أقاتل معهم جنبا إلى جنب في أي هجوم عاطفي، يمكن أن يتلقاه أحد منهم.
مبتورة الأحلام، رغم أن المطر لم يتوقف عن زيارتنا في مدينتي منذ وفاة والدي، أعترف أن أحزاني باتت تتناسل كالقطط، وأفكر بكل ما قاله ماريو بأن المرء يمكنه أن "يخترع" ما يخترع، لا مدفوعا بحريته كما يتوهم، بل لأن أمورا معينة حصلت معه ودفعت لا وعيه إلى كتابة ما يكبت.
الدافع إلى الكتابة يأتي من الداخل، من القاع المعتم والغامض، دفعتني كلمات ماريو إلى التمسك أكثر بالحياة، رغم أنني، ومنذ أسبوع، كلما تصفحت أي موقع عبر الإنترنت، لا أجد ما يثير دهشتي بعد أن تم القضاء على الملكة أحلام، وبات البحث مستمرا عن شخصية أخرى جديرة بأن تملك مغناطيسية أحلام الجاذبة والممتعة للجماهير، ولا يزال الإعلام الرقمي مستمرا في الهرولة والبحث، إلى جانب أحاديثه التي لا تنتهي دوما عن أكثر النساء شهرة في أي شيء، وأكثرهن تأثيرا في مواقع التواصل الاجتماعي، وأكثرهن وضعا للرموش الاصطناعية، وأكثرهن ضحكا في نشرات الأخبار، ومن هن الأقدر على لبس أضيق لباس ممكن في البرامج الصباحية، ولكن للأسف، لم أجد اسمي في كل ما يمكن أن نُطلق عليه مفردة "أكثر" ولو خطأً. يضعون أسماء لا أعرفها شخصيا، وربما هن أكبر من أني أعرفهن.
في الحقيقة، لم أعد أستطع أن أتجاوز مثل هذا التسلط الأعمى الذي يذكرني بجارتنا التي انتقلت إلى مكان آخر من الحي، وشعرنا بخليط مزعج من السعادة والحزن، فقد كانت دوما المرأة التي يمكنها أن تفصل وتبت في الأمر، وتنهي العراك الدائر بيني وبين شقيقاتي على من هي الأكثر تأخيرا في القدوم إلى البيت، كان يمكنني فقط دعوتها على 10 فناجين قهوة، و5 قطع من التمر، وحينها يمكن للجارة أن تمتعنا بكل التفاصيل التي خفيت علينا، تمتلك المقدرة الهائلة والعظيمة من دون أن تكون من فريق "الحلوميين" في تذكر أوقات خروج أبناء وبنات وأمهات الجيران، ولو كانت تعيش في الخارج لاستفاد من فضولها عناصر الشرطة الكسالى.
في نهاية الأمر، أشعر بأني لست حتى الآن سعيدة، فاسمي لم يحظ بالأكثر شعبية والأكثر تأثيرا، ولكن لا بأس في ذلك، فالجلوس في عزلة، وأنا أعد عدد النظارات الشمسية التي أملكها، أهم بكثير من أن أعيش كذبة وهمية، وأفرح بها رغم علمي أنها مجرد كذبة، تعتمد على مزاج صاحب الموقع.
وكنت منذ أيام قررت أن يكون مقالي لهذا الأسبوع مختلفا عن بقية المقالات، فقررت أن أكتب عما حدث حينما نشرت صورة الإعلامي "وليد الفراج" في حسابي عبر "تويتر"، ولم يكن حينها يرتدي الغترة أو الشماغ، وكتبت أنني لم أتوقع أن تكون صلعته كبيرة إلى هذا الحد، ولكن تعليقي لم يرق لإحداهن، الشقية صالت وجالت تلك الليلة، وهي تشتم أنفي المستقيم، وتعيب في صورة والدي، حتى بعدما قلت لها إن والدي لتوه متوفى، فهل يمكن أن تتوقف عن الشتم، وعن بث سمومها لرجل انتقل إلى رحمة الله، لكن الصبية الصغيرة أبت أن تكبر، فعبر مفردة واحدة كتبتها، أدركت أننا كمجتمع لم نزل في عراك كبير للغاية مع أخلاقنا، ولو كانت هذه الفتاة متزنة، لم تخرج أمامنا مثل هذه العينات، إذ جاء ردها حاقدا وبطفولة خبيثة لا يمكنك أن تمتلك العذر لها فقد كتبت: "ربي لا يرحمه"!
لا يمكن أن تجد أسوأ من ذلك كي تبدأ فيه نهارك، وعيناك تمطران دموعا دون توقف، لأنك عرّضت والدك الذي ترك مسرح الحياة كله، كي تأتي إحداهن تدون على صفحة حسابها "دلوعة أبوي"، وتشتم رجلا لم يعرفها يوما ما، كل ذلك لأنني تجرأت ووضعت صورة وليد الفراج، وتساءلت عن مساحة صلعته، ولم أكن أعتقد أن هذه المزحة ستكلفني كثيرا.
وقبل قليل لم تنقطع الأخبار عن اختطاف الطائرة المصرية، آيرباص رقم 181 وكان يفترض أن تكون الطائرة في رحلة داخلية من القاهرة إلى الإسكندرية وعلى متنها قرابة 60 راكبا، أخذهم الخاطف الذي كان يرتدي حزاما ناسفا إلى مطار لارنكا في قبرص، وهنا قررت أن الحياة لا يمكن أن تساوي شيئا، بمقدار رغبتي أن يكون الآخرون الذين لا أعرفهم ولا أمت لهم بصلة أن يكونوا بخير، وأن غضبي من دلوعة أبوها، قد أخذ من مشاعري معظم طاقاته، وكأني لم أكن أحتاج إلى سواها، في حين أن ثمة آلام في الحياة تجعل كل ما نمر به، مجرد مُزحة، كما حدث مع صلعة وليد الفراج!
والجيد أن الطائرة بينما أدون مقالي قد تحررت بشكل كامل، ولله الحمد!