قبل سنتين سألت أحد الفضلاء عن الإجراءات القانونية المتبعة في التعامل مع بعض القضايا، فامتعض من هذا السؤال وقال: لدينا شرع جزاك الله خيراً، ثم أشاح بوجهه بعيداً عني وتحدث مع شخص آخر، فحاولت إعادته إليَّ مرة أخرى وأعدت له السؤال بصياغة جديدة: هل المعاملات كلها تسير بالخطوات نفسها، وتستغرق الوقت ذاته، ويحصل فيها الناس على الأحكام نفسها؟ قال: لا؛ هذا يعتمد على الشخص الناظر في القضية، فمرة يشترط كذا ومرة لا يشترط، قلت: معنى ذلك أنكم بلا قانون!، فانزعج من كلامي ونهرني قائلاً بصوت عال: عليك أن تقدِّس شرع الله!، فلما أدركت أن لا جدوى من النقاش معه، وأني سأفشل مهما حاولت إقناعه بأن القانون حين يُصاغ اعتماداً على الكتاب والسنة فلا يمكن أن يتعارض مع الشرع، وأن لا شيء أضر بشرع الله من أن تتعطل مصالح الناس، ويُستخدَم الشرع بدلاً من أن يَخدِم الناس، لكن خشيت أني بذلك سأثير حفيظته فينتهي بي المطاف إلى مكان آخر، وأشخاص آخرين لا مانع لديهم من الاستماع إليَّ طويلاً طالما أنه يساعدهم في قضاء أوقات فراغهم!.
رغم أن النقاش مع ذلك الفاضل مثيرٌ وغير متكافئ وأيضاً محفوف بالمخاطر، إلا أنه يمكن استخلاص بعض الجوانب الإيجابية فيه بالإضافة إلى الجوانب السلبية، في إدراك فطري على أن الاختلاف سنة كونية، ولولاه لما تقدمت البشرية خطوة واحدة إلى الأمام، حيث إن ذلك السؤال البسيط العابر قد جر وراءه سلسلة من التساؤلات المعقدة الصعبة، فهل الشرع أتى بقيم عامة أم قوانين؟ وهل القيم المطلقة تغني عن القوانين أم تحتاج هذه القيم إليها لتحقيقها؟ ولماذا أخفق خطابنا الديني على كثافته في تخريج شباب يحترمون على الأقل الوقوف في طوابير الانتظار؟
إن أكثر ما يؤثر في سلوك الإنسان ضابطان، أحدهما أخلاقي ديني والآخر قانوني؛ فالأول يتعلق بالعبادات، والله تعالى وحده هو من يثيب ويعاقب عليه، ومن المفترض ألا يتدخل فيه أحد ما لم يكن ضرره متعدياً، كما يُفترض ألا تترتب عليه عقوبة دنيوية، أما الثاني فهو قانوني يتعلق بالمعاملات، والحكومة في الغالب هي من تثيب وتعاقب عليه، بعد أن تحدد للناس الخطوط الفاصلة بين ما يجوز وما لا يجوز، مع التنبيه إلى التداخل الموجود أحياناً بين هذين الضابطين، والتأكيد على أنهما جميعاً سيترتب عليهما حساب في الآخرة، فالضابط الأول لا يعصم الإنسان من الوقوع في الخطأ، لكنه يمنعه من التلذذ فيه، فكلما ارتكب الإنسان خطأ لا يعاقب عليه القانون ندم وتاب حتى لو لم يره أحد، ولكنه قد يعاوده من جديد، كما أنه قد يُقلع عنه نهائياً، أما الضابط الثاني فأكبر هَمّ الإنسان فيه ألا تره الحكومة، ويكون ضرره متعدياً في الغالب، فهو مثلاً قد يتجاوز الإشارة حمراء من غير أن يشعر بالندم أو تأنيب الضمير، رغم أن قطع الإشارة معصية أيضاً قد تفوق معاصي أخرى عوَّد نفسه ألا يقع فيها، لكن خوفه من الحكومة ربما أغفله عن كونها معصية، وهو بذلك سيستمر في المداومة عليها كلما كان بعيداً عن أنظار الحكومة، كما أن ارتكابه لهذه المخالفات يزيد وينقص بحسب رقابة الحكومة ومقدار العقوبات المترتبة عليها.
الإنسان بحاجة إلى هذين الضابطين معاً، فالضابط الأخلاقي أو الديني يساعد في ترسيخ هذه القيم، والضابط القانوني يعلمه كيفية تَمثُل هذه القيم إلى أن تصبح جزءاً من ثقافته وسلوكه بفعل الممارسة والتكرار، ومن المؤسف أن هنالك خلطاً كبيراً بين هذين الضابطين على مستوى التطبيق، فثمة من يعتقد أن أحدهما يغني عن الآخر، فالشرع على مستوى العبادات كالصلاة والصوم والحج قد أتى محدداً؛ حيث بيَّن للناس أوقاتها وما يُخل بها وطريقة أدائها، أما على مستوى المعاملات فهو قد أتى بقيم عامة حث عليها ورغَّب فيها، ونهى وحذَر من مخالفتها، ثم ترك للناس كيفية تمثلها وطريقة تحقيقها، فهو مثلاً قد أمر بالعدل والإحسان والمساواة بين الناس، ونهى عن الظلم والغش وأكل أموال الناس بالباطل، من غير أن يحدد للناس الطريقة التي تتحقق بها هذه القيم على وجه دقيق، وكأنه بذلك قد أراد للناس أن يحددوا وسائلهم بما يتناسب مع عصرهم، وهذا تأكيد على أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فالقيم فيه ثابتة لا تتغير، لكن أدوات تحقيقها هي التي تتطور، ولا يبقى ثابتاً إلا ما قُيِّد بنص صريح صحيح، فمثلاً كنا نرى بعض الصكوك التي كانت تصدرها المحاكم بالأمتار، مع أن صحة الأحكام لا علاقة لها بطول الصك أو قصره، ولما جاء التطور التقني قضى على هذه الظاهرة، كما كان الذين يريدون الاستفسار عن معاملاتهم في المحاكم يستغرقون وقتاً طويلاً من بحث الموظفين في السجلات، أما الآن فالأمر لا يحتاج أكثر من ضغطة زر، ومع تطور القضاء قد لا يحتاج المواطن إلى المراجعة نهائياً في بعض المعاملات، وقد تأتيه رسالة على جواله تخبره بالمكان الذي وصلت إليه معاملته، وقد صدق من قال: (حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله) ما لم يكن في ذلك مخالفة لنص صريح صحيح طبعاً، ومعنى ذلك أن كل شيء تتحقق فيه العدالة بأعلى درجاتها فهو من الشرع، وكل شيء تحصل فيه المساواة بأقصى مستوياتها فهو من الشرع، وكل شيء لا يتسبب في تعطيل مصالح الناس فهو من الشرع، ومع ذلك فإن كثيرين دأبوا على إظهار القانون على أنه شيء مخالف للشرع، بل كفر مخرج من الملة!، بعدما قصروا مفهوم الشرع على أن القاتل يُقتَل والسارق تُقطَع يده، وهم بذلك قد قفزوا من الباب إلى المحراب، ووصلوا إلى النتيجة مباشرة دون التأكد من سلامة الطريق الموصل إليها، مع أن المتطرفين أنفسهم حين بسطوا سيطرتهم على بعض البلدان الفاشلة كأفغانستان وسورية كان أول شعار رفعوه هو الشرع، فأوغلوا في دماء الناس بالقطع والرجم والقتل بلا محاكمات عادلة ومن غير تأكد من أن الذين أعدموهم يستحقون الإعدام فعلاً، ثم نسبوا ذلك كله إلى الشرع مستدلين بما قال الله والرسول ولا حول ولا قوة إلا بالله.