كم أنا فخور جداً بالخبر الذي تناولته الصحافة وبقية وسائل الإعلام السعودية والخليجية والعربية في الأسبوع الماضي والذي أتمنى أن يكون أساس هذا الخبر صحيحاً وواقعياً حيث يقول الخبر المنشور في الصفحة الأولى في الصحيفة القديرة الحياة: (ارتقت المملكة العربية السعودية مرتبتين في تنافسية بيئة الاستثمار العالمية لتحل في المرتبة الحادية عشرة بحسب تصنيف عام 2010م متقدمة من المركز الثالث عشر في عام 2009م وحافظت على تصدرها للدول العربية وبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هذا المجال وبحسب تقرير أنشطة الأعمال الذي تصدره مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي ويتولى تقييم التنافسية للاستثمار في 183 دولة، حيث إن المملكة إحدى أكبر خمس دول أحدثت إصلاحات اقتصادية جوهرية وأوجدت بيئة تشريعية وقانونية لتحسين أداء قطاع الأعمال عموماً خلال السنوات الخمس الماضية. وقال التقرير الذي صدر إن ما ساعد على تقدم المملكة في التنافسية هو الإصلاحات الاقتصادية التي أجرتها هذا العام، وانعكست على عدد من المؤشرات الرئيسية. بالفعل خبر يدفعنا للاعتزاز والحماس والاندفاع للاستثمار في بلادنا ومن المؤكد سيجذب المستثمرين الأجانب لسرعة الاستثمار في المملكة. وكما ذكرت في مقدمة مقالتي أتمنى أن تكون هذه التقارير مبنية على حقائق وأرقام وإحصائيات حقيقية على أرض الواقع. فعلى سبيل المثال مؤشر استخراج التراخيص أحد المؤشرات الذي يحتاج إلى قياس وقياسه على أرض الواقع هو قيام المستثمر المواطن باستخراج ترخيص مزاولة مهنة عمل من إحدى البلديات أو استخراج ترخيص مهنة تخصصية أو صناعية من وزارة التجارة أو استخراج ترخيص لإنشاء مكتبة بيع كتب علمية أو رخصة نشر وتوزيع أو رخصة مطبعة أو ترخيص عمل لمطعم أو مقهى أو ناد رياضي أو مشغل، على أن يكون الوقت والإجراءات والمتطلبات الرسمية والورقية والرسوم المالية هي المؤشر الحقيقي للقياس على أرض الواقع ولا أرغب في تسجيل النتيجة مبكراً وإنما أدعو رجال القياس من غير مسؤولي الدولة المعنيين بالترخيص أو المعنيين بالإعلام عن التقارير إلى إعلان نتائجهم بعد القياس العملي. أما المؤشر الثاني الذي تم على أساسة التقييم والترتيب هو مؤشر (الحصول على الائتمان) وهو مؤشر مهم جداً ويبدو لي أن معلوماته غير معروفة لدينا نحن العامة من المستثمرين فمعظم المستثمرين الصغار والمتوسطين وبعض الكبار يعانون أكبر معاناة وأشدها في الحصول على الائتمان والتمويل المالي نظراً للشروط المستعصية التي تضعها البنوك التجارية والإسلامية وبعض صناديق الدولة والتي تبدو كأنها سهلة وميسرة عند الإعلان عنها ولكنها على أرض الواقع تعاني صعوبات كبيرة في التطبيق، وعلى وجه الخصوص إبان وبعد الأزمة المالية العالمية والتي تحفظت معظم البنوك على التوسع أو الاستمرار في الائتمان وتراجعت العديد من المشاريع المحلية والدولية وتجمدت البعض منها. ورغم سياسة الحكومة السعودية الداعمة لتنشيط دور القطاع الخاص إلا أن البنوك التجارية مازالت متحفظة على الائتمان للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومعظم المشاريع التمويلية كانت للمشاريع الكبيرة وشبه الحكومية مثل مشاريع شركة أرامكو ومشاريع شركة سابك ومشاريع القطارات ومشاريع توليد الطاقة الكهربائية ومشاريع تحلية المياه ومشاريع الثروة المعدنية وبعض مشاريع التطوير العمراني الحكومي ومشاريع الاتصالات. عشرات البلايين لتمويل المشاريع الكبيرة بضمانات المشاريع والتي تملك الدولة أكبر الحصص في هذه الشركات أما تمويل المؤسسات الصغيرة فهي أكبر مشكلة تواجه المستثمرين الصغار وهي قضية تؤثر على الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة. أما المؤشر الخاص بالتجارة عبر الحدود فأفضل من يدلي بدلوه ومعاناته أولئك الذين يتعاملون مع الواردات والصادرات. أما مؤشر بدء النشاط التجاري فقياسه لا بد أن يرتبط مع مؤشر الخارجين من النشاط التجاري وللدخول في تفاصيل الأسباب سنتعرف على المعوقات التي تواجه المبتدئين في التجارة. فتطور التجارة لا يقاس بعدد السجلات التجارية الجديدة وإنما يقاس بعوامل عديدة منها استمرارية ونمو المؤسسات التجارية الحديثة ثم تطورها وأثرها في الناتج القومي.
إن مقالتي اليوم ليست للتشكيك في تقرير أنشطة الأعمال الذي تصدره مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي والذي يتولى تقويم تنافسية بيئة الاستثمار في 183 دولة في العالم، فهي مؤسسة دولية تقوم على ترتيب الدول حسب المعلومات المستلمة منهم ولا تقوم هذه المؤسسة بجمع وتدقيق المعلومات بنفسها أو التأكد منها على أرض الواقع. ولن أشكك في المعلومات والإحصائيات الرسمية المقدمة من الأجهزة المعنية بالمعلومات الاقتصادية في المملكة، وإنما ملاحظتي هي على طريقة تقديم المعلومات عن كل مؤشر فعلى سبيل المثال مؤشر الحصول على الائتمان قدمت للمؤسسة معلومات تمويل المشاريع الكبيرة للشركات شبه الحكومية وقدمت المعلومات الائتمانية للصناعات الأساسية والمشاريع التطويرية العملاقة.
إن المبالغة الإعلامية في النتائج قد لا تخدم القضية الأساسية، وإن التسابق للحصول على المراتب المتقدمة العالمية لجذب الاستثمار ينبغي ألا يكون على حساب الواقع الفعلي للاستثمار المحلي. وإن تحسين صورة الاستثمار في المملكة لن يكون بالمنافسة على المراتب العالمية فقط وإنما بإصلاح وإزالة المعوقات التي يواجهها المستثمرون السعوديون والأجانب داخل المملكة. وإذا أردنا أن نتعرف فعلياً على هذه المعوقات فعلينا تكليف مركز دراسات محايد يدفع قيمة تكلفته المستثمرون أو مجلس الغرف السعودي وبإشراف لجنة محايدة لتقديم تقرير لولي الأمر عن واقع معوقات الاستثمار في المملكة وعلى وجه الخصوص مؤشر التمويل للمشاريع الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة. إن واقع الاستثمار وبيئة الاستثمار في المملكة للمشاريع والشركات شبه الحكومية يعتبر واقعا متميزا ومحفزا، أما واقع الاستثمار ومناخ الاستثمارات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وهي الشريحة العريضة فهو واقع غير مشجع وغير محفز ولإثبات هذا الواقع فقد شرعت بإعداد دراسة طوعية محايدة لإثبات هذه الحقيقة وحال الانتهاء منها سوف أنشر نتائجها بكل شفافية.
إن مصلحة الوطن ومصلحة اقتصاد بلادنا تدفعنا لأن نكون أكثر واقعية ونتعامل بأكبر شفافية وإن تغييب الحقائق لن يستمر طويلاً ولن يكون في مصلحة بلادنا. كما أن إزالة المعوقات عن الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة أهم من التنافس على المراتب المتقدمة لمناخ الاستثمار.