يقول أحد المفكرين إنه في خضم محاولاتنا أن نتمسك بكل شيء، يضيع منا شيء ذو قيمة. هل مر عليك شخصيات تعشق التكنيز، ولا أعني هنا الذهب والفضة؟ يكنزون كل ما يعتقدون أنه قد يأتي بفائدة في المستقبل، تجد منازلهم أو متاجرهم تكتنز بكل ما نطلق عليه "كراكيب"؛ من أدوات منزلية، وملابس، وكتب أو أوراق، وألبومات، وعلب معدنية زجاجية أو كرتونية... إلخ! يلتصقون بمقتنياتهم كمن يلتصق بالحياة ذاتها، ويشعرون بالانزعاج والخوف يصل أحيانا إلى حد الشراسة والعدائية إن اقترب أحد منها أو حاول أن يتخلص منها بطريقة أو بأخرى! مجرد التفكير في الاختيار ما بين الذي يبقى والذي يجب التخلص منه يجعلهم يعيشون في حالة من عدم التوازن، بالنسبة إليهم هذا الأمر يقترب من الاستحالة، ويطلق علماء النفس على هذه الحالات بمتلازمة الاكتناز.

بعد مراجعة ما لدي من أشياء وجدت أنني أعاني من طيف متلازمة الاكتناز! أولها الملابس؛ هذا أحتفظ به حتى أنحف، وذلك في حالة استعادة الوزن الثقيل، وبين هذا وذلك بدائل مؤقتة! والأحذية التي من عوامل التخزين تعلن عليّ التمرد بين الفينة والأخرى، وكم عدت إلى المنزل بدون حذاء، فإما أن أتخلص منه في أي حاوية على الطريق، أو إن كان فيه أمل أرسله إلى التصليح! أما الكروت والأوراق والدفاتر والملفات فحدث ولا حرج؛ أقول سأعود إليها ولا أعود، بل تزداد في مكتبي، أخاف أن أضيع يوما بينها ولا أجد نفسي! وفي المطبخ أدوات منزلية قديمة لم أعد أستخدمها، متخذة أركانا مهمة منه! الكتب، تلك قصة أخرى فأنا أعيش في مكتبة بداخلها منزل، وما زلت لا أستطيع مقاومة شراء الكتب وأقول في نفسي: يوما ما سأتفرغ وأقرأ وأستمتع، ولكن ماذا عن كتبي الدراسية وكتب أولادي؛ ذكريات أخاف أن أفارقها وهي تصرخ بأن أفارقها لعلها تصل إلى من يستفيد منها! هذا أنا فماذا عنكم؟!

كنت أشاهد فيلما وثائقيا عن قصة حياة عمة "جاكلين أوناسيس" وابنتها، وكيف تحول منزلهما إلى مزبلة من جراء اكتناز كل شيء حتى علب طعام القطط الفارغة والتي ملأت الغرف، لدرجة أن اشتكى الجيران من خطر تلوث بيئتهم في حال بقائهما في الحي، وطالبوا بطردهما! الآن ما مرت به السيدتان وكيف تم التعامل معهما هو انعكاس لأقصى الحالات التي قد يصل إليها من يعانون من هذه المتلازمة، والتاريخ الموثق لمثل هذه الحالات تعكسه صحف الغرب وأفلامه الوثائقية والدراسات، أما عندنا فيكاد يكون ذكرها مفقودا، إلا من رآها أو عايشها خلال مسار حياته، بالنسبة لي لم أجدها حتى في أدبنا، صحفنا أو أفلامنا الوثائقية، ولكنني شاهدت شيئا مشابها لذلك في صغري، فبالقرب من مدرستي كانت تسكن أختان بيتا كان يدل على الإهمال من الخارج، وإن اقتربت منه رأيت عالما من القذارة والفوضى! برأيي أن من دفعهما إلى تلك الحالة المتردية ليس سوى المجتمع الذي قام برفضهما وتجاهلهما بل جعلهما أضحوكة الحي أو مادة للتندر والتسلية! يقول يوربيديس؛ كاتب التراجيديا الإغريقي: "تقع المأساة عندما تصبح الكراهية أكثر من الحب"، وأنا أضيف هنا أنه تقع المأساة حين نرفض أن نرى ما يجري على من هم حولنا، والمأساة الأكبر حين يكون هؤلاء من الأهل أوالمعارف أو الجيران!

هل خطر في بالنا أن الكثير إن لم تكن الغالبية يعيش هذه الحالة بشكل مختلف ودرجات متفاوتة، لكنه يجري في نفس المساق؟ هل نعلم أن ما نعاني منه يطلق عليه "متلازمة اكتناز المعلومات"؟ هنالك من يكتنز المعلومات في ذاكرة الحاسوب، وحين تمتلئ يشتري أخرى، وهكذا قد تستمر العملية إلى ما لا نهاية! هل توقفنا يوما وسألنا أنفسنا هل حقا نحتاج كل هذه المعلومات؟ الذي أعرفه أن العقل البشري يخزن المعلومات ويخلق الروابط بينها لكي يرجع إليها حين الحاجة لتساعده في فهم أو تحليل أو حكم أو حتى استرجاع مشاعر معينة، المهم أنه ينتقي مما ترك فيه الأثر، وليس ما حفظه دون معنى، لأن كل ذلك يتسلل من الذاكرة، فالعقل يلفظه مع مرور الزمن، ولكن الذاكرة المصطنعة تخزن دون تفكير أو معنى؛ حسب الأوامر تخزن كل شيء وأي شيء! السؤال هنا أننا نستطيع أن نسترجع معلومة، ولكن هل نستطيع أن نسترجع انطباعا أو مشاعر أو حكما معينا؟! هل نستطيع أن نبحث عن "المعنى"؟ هل يوجد كلمات مفتاحية تمكننا من الإبحار في الذاكرة الاصطناعية تساعدنا في التوصل إلى كل ذلك؟ بالتخزين على هذا الشكل ابتعدنا عن روح الذاكرة وما تحمله، ابتعدنا عن مهارات التفكير والحكم السليم، ابتعدنا عن التواصل الحقيقي مع ذاتنا!

لست ضد جمع المعلومات، ولكنني ضد من يجمعها على حساب غيره؛ أي يجمعها ويحرم غيره من الاستفادة منها، بأن يقال عنه مختص ويكون المرجع بحيث لا يشارك إلا عند الدفع، ومن يجمع معلومات عن خصومه كي يستخدمها كسلاح يضربهم بها عند الحاجة، ثم قد لا نكون ممن يكتنز المعلومات وقد نكون، وقد لا يعلم من يكتنز المعلومات أنها تفيد غيره وقد يعلم، وربما هنالك من يعتبرها ملكا خاصا له بينما هي ليست كذلك، الفرضيات كثيرة ولا نستطيع إهمالها، المهم هنا ألا يصل الأمر بنا في جمع المعلومات إلى الاكتناز المُجرد! يجب أن نحاول أن نراجع أنفسنا حتى لا نبتعد عن العقل والتفكير، ولا نبتعد عن القلب والضمير، ولا نبتعد عن المشاعر والوجدان، فمن خلال إدراكنا وفهم هذه الظاهرة إن كانت فينا أو في غيرنا، نكون على الأقل قادرين على مواجهتها إيجابيا، بحيث نتمكن من معالجتها لبناء بيئات تعاونية حيث يزدهر الفرد بازدهار المجاميع.