تنتابني حالة قوية من الرغبة في الخروج، بل ربما هي في الهرب من هذا الصدى المشوش الذي لم نعد نفهم معانيه ولم نعد نعي طلاسمه، فكل ما حولنا أصبح ارتدادا لحاضر بلا ألوان وماض اجتر بشكل منظم دون قصد، فأصبح أشبه بلوحة سريالية لفنان تفنن في لوي شاربه حتى نفثت أطرافه ألف معنى ومعنى.

قال الأميركي كين فينتوري "أن تعشق العزلة هذا يعني أن العالم ليس مكانا جيدا بالنسبة لك"، وقد يكون هذا القول هو الأنسب لمن وجد أن كل شيء يحيط به لا يشبهه، فالأصوات أصبحت تتكلم بلغة غريبة، لا في حروفها بل في معانيها وفي مبتغاها وفي حدود خيالاتها وطموحاتها، أصوات تذكرك بصوت الزئير ولكنه في حقيقته قرقعة تداخل فيها النشاز واستفحل فيها اللامعنى.

نهرب.. نعم نهرب نحو شواطئ ذلك المكان الذي قد يشبهنا وقد يحتال علينا بصورة تريح نفوسنا المتعبة من حالة القلق والانكسار الذي أنتجه لنا محيط أصبح العقل فيه شبه ميت، وتسيده بشكل شبه كامل سطوة القوة اللاعاقلة.

نحاول أن نغرق ولو كان غرقا يقودنا للموت بأي شكل كان في سطور كتبها بعض عقلاء الدهر، تلك المقولات التي توسدت أرففا لم يعد أحد يمر بها إلا إن كان في معرض للاستعراض ومزار لما يتوهمه البعض أنه استثمار في الثقافة، وكأنهم رغم انشغالاتهم في حياتهم المقررة لهم من غيرهم أن يتشكلوا أو يتطبعوا بما قاله الروائي الأرجنتيني البرتو مانجويل "أعطتني القراءة عذرا مقبولا لعزلتي، بل ربما أعطت مغزى لتلك العزلة المفروضة عليّ"، فتجد الغارق بهم في الحياة أو هي هموم مفتعلة، ناسك يحاول الهرب رغم تشبثه بالنقيض، فهؤلاء هم من فهموا الحياة بشكل معكوس، فما قيمة لمعنى الحياة ونحن لا نحياها كما يجب.

نحن عندما نعيش نعتقد أننا نحيا، وشتان ما بين الحياة والعيش، فكم متوهم يرى في الخروج كل صباح نحو العمل حياة.. وكم من غارق في يومياته يرى أن كل ما يدور في العالم يدور حوله، وكم من مسكين أنعم الله عليه بالمال والولد يخلد آخر يومه على فراشه مكتشفا أنه مجرد رقم لم يغير، بل هو من يتغير كل لحظة بفعل سلبية قبوله بالوضع الراهن.

ليست سوداوية يا سادة، بل هي الصورة التي رسمها لنا سيلفادور دالي لعالم آخر لم يكتشفه إلا من فعل عقله.