ذكرت تقارير صحفية صدرت مؤخراً، أن المكاتب الاستشارية حصلت على ما يقارب 4.5 مليارات ريال في عام 2014 من الجهات الحكومية نظير استشارات هندسية ومحاسبية وقانونية وفي مجال تقنية المعلومات وبرامج الحاسب الآلي، مع تقديم استشارات فنية متدنية الجودة، كما ذكرت هذه التقارير أن هذه المكاتب مرتبطة في الغالب بالفساد والمصالح الشخصية للمسؤول في الجهة الحكومية المتعاقدة معها سواء في الوزارات أو الهيئات أو الإدارات.

فبالرغم من أهمية الاستشارات ودورها المؤثر في حل مشاكل المشاريع والبرامج الحكومية ومن ثم تحقيق الأهداف العامة، إلا أن واقع العديد من المكاتب الاستشارية يقوم على اقتباس الدراسات المعدة من الشركات العالمية، وإعادة طباعتها بعد إجراء تعديلات بسيطة عليها، أو أن تقوم بدور الوسيط بين الجهات الحكومية طالبة الدراسة وبين البعض الذين يعملون في جهات حكومية أخرى حيث يقومون بسرقة دراسات معدة مسبقا في تلك الجهات!

ومن الأساليب والطرق التي تسلكها بعض المكاتب الاستشارية في التحايل على الجهات الحكومية، القيام باستقدام الخبراء الأجانب من أميركا والدول الأوروبية، لأيام معدودة ليقدموا محاضرات عن مشاريع الاستشارات وعن التطوير وتحسين مستوى الأنشطة والبرامج الحكومية حتى يعتقد المسؤولون في تلك الجهات أن هؤلاء الخبراء هم فعلا من يقوم بإعداد تلك الدراسات والأبحاث، تنفرج أساريرهم ويصرّحون لوسائل الإعلام عن مشاريعهم الجبارة!

وفي المقابل أيضاً، هناك جهات حكومية تحاول تضخيم منجزاتها والتباهي بها من خلال مشاريع وهمية أو فاشلة تكون للدعاية الإعلامية أو من أجل تحقيق مصالح شخصية عن طريق إبرام العقود والاتفاقيات مع الشركات والمؤسسات والمكاتب الاستشارية.

فعلى سبيل المثال يتم التعاقد مع مكتب استشاري لإعداد دراسة لإنشاء مركز لتقنية المعلومات وبرامج الحاسب الآلي، فيتم تقدير مبالغ طائلة لهذا المركز ربما تتجاوز مئات الملايين من الريالات، في البداية يتم إعداد دراسة من قبل الاستشاري بأنه من الممكن إنشاء المركز بثلث المبلغ المقدر، فيطلب منه مواصلة دراسته لتنفيذ المشروع على هذا الأساس.

وبعدما ينتهي الاستشاري من دراسته، والحصول على أتعابه التي قد تقدر بعشرات الملايين، يكتشف الرئيس الإداري أنه لا يمكن تنفيذ تلك الدراسة على أرض الواقع أو أنها لا ترتقي إلى تصور الرئيس الذي وضعه أو تتفق مع مصالحه الشخصية، فيتم التعاقد مع مكتب استشاري آخر ينطلق إلى أقصى مدى لحدود التصور الذي وضعه الرئيس.

وعلى هذا الأساس، يتم إرساء قواعد العلاقة المباشرة مع الشركات والمؤسسات، فيتم إعداد الدراسة المطلوبة إلى المحصلة التي تقع من قلب الرئيس الإداري وعقله موقع الرضا، وفي حدود الاعتمادات المالية المرصودة في الميزانية للجهة الحكومية، وفي نفس الوقت فإن المركز التقني على الورق، وبرامج أنظمة الحاسب الآلي على ورق!

بعد ذلك تتم الموافقة على دراسة الاستشاري، وأن يكون التنفيذ وفقاً لها، وربما يوكل إلى الاستشاري معد الدراسة مهمة الإشراف على التنفيذ والاتصال بالشركات والمؤسسات لتنفيذ المشروع، وقد يحصل الاستشاري على حصة مالية مناسبة من الشركة التي يتم الاتفاق معها، أو يتم إيكال المهمة إلى استشاري آخر أو أن يكون الإشراف عن طريق الجهة الحكومية نفسها، وتبقى العمولة المالية قائمة!

وليس هذا وحسب، بل من الممكن أن يكون مكتب الاستشاري عضوا مؤسسا في الشركة المنفذة، أو الرئيس الإداري أو مساعده، وبعد الانتهاء من التنفيذ الشكلي لمشروع المركز التقني الذي لا يزال على الورق رغم التنفيذ، يتم وضع تقرير يتم فيه الإشادة بما قامت به الشركة، وصرف المبالغ المتفق عليها في العقد، وبالطبع فإن المشروع لم ينته إلى هذا الحد، فهو يحتاج إلى مراحل أخرى واعتمادات مالية باهظة.. فكيف يتم إقناع وزارة المالية بالموافقة على تلك الاعتمادات؟

في البداية يتم إقناع وزارة المالية بدراسات المكاتب الاستشارية، وفي الغالب يطلب الرئيس الإداري عقد مؤتمر أو ندوة، يدعو إليها المؤسسات الإعلامية المختلفة، فيلقي فيها خطبة رنانة عن مشروع الجهة والفائدة التي يقدمها للمجتمع والناس، ولو أحصى ما ذكر عن المشروع وعن إنجازات الجهة وعن مستوى الخدمات التي تقدمها، وعن عطائها.. لو أحصي ذلك كله لكانت هذه الجهة مثلاً يحتذى به ليس في العالم العربي وحده ولكن حتى في أكثر الدول تقدماً وتطوراً.

ومما سبق، قد يتساءل القارئ الكريم عن الكيفية والوسائل التي تستغلها الجهات الحكومية والمكاتب الاستشارية في استنزاف وسرقة المال العام؟ والإشكالية تتمثل في تطبيق المادة (47) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، التي استثنت من المنافسة العامة "الأعمال الاستشارية والفنية والدراسات ووضع المواصفات والمخططات والإشراف على تنفيذها وخدمات المحاسبين والمحامين والمستشارين القانونيين، عن طريق دعوة خمسة مكاتب متخصصة من المرخص لها بممارسة هذه الأعمال على الأقل ليقدم كل منهم عرضه خلال مدة تحددها الجهة.."، وبالتالي فإن مثل هذه الأعمال الاستشارية لا تخضع للرقابة ناهيك عن أن الرؤساء الإداريين لا يسألون عما يفعلون! وربما يحتاج الموضوع إلى مكتب استشاري لدراسة وتقييم نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، والاستفادة منه في التغلب على المشكلات الإدارية وهندسة الإجراءات ورفع مستوى الأداء في بعض الجهات الحكومية، ومن ثم التعاقد مع الشركات والمؤسسات ذوات الخبرة العالمية!