تتشابه كلمة الجارية كثيرا مع كلمة "حريم" التي يشيع استخدامها في مجتمعاتنا العربية؛ وبعيدا عن دلالات الكلمة الأخيرة وتاريخ انتشارها وكيفية انتقالها لنا فإن كلمة "جارية" تأخذنا مباشرة لضفة أخرى في التاريخ البعيد عرفت بكثرة الجواري وأسباب وجودهن، وشاع استخدامها لوجود من يطلق عليها مثل هذه الكلمة من النساء. كلمة "جواري" بالإضافة لأنها تذكرنا بفترة تاريخية كان الرق شائعا بها فإن الصورة الذهنية التي ترافقها لا تخلو من وجود مكان متسع وكبير، عادة يكون قصرا فيه جناح كبير منعزل مليء بالأجساد البيضاء والسمراء المتمايلة والمشغولة بالتزين والترف الذي يحيطها من وسائد ريش وأوانٍ مذهبة، وثياب تنوء بعطرها وكل ما يلهب الخيال من رفاهية صورية نقلتها لنا سابقا كتب التاريخ وقصص الأسلاف من عهد هارون الرشيد حتى آخر جارية في التاريخ العربي، ثم أعاد الإعلام الجديد نقل وتلميع هذه الصورة عبر المسلسلات العربية والتركية التي تنقل صورا أكثر تجميلا من قصور السلاطين و"سراي" البشاوات.
ما جعلني أستعيد هذه الكلمة الموغلة في الاستعباد وفي "الفكر الحريمي" هو عنوان دورة تدريبية مزمع عقدها في العاصمة الرياض – وربما عقدت وانتهى الأمر – تحمل عنوانا يتضمن كلمة الجواري، وترتكز الدورة حول الشخصية الأنثوية وتقسيمات لشخصية المرأة بعضنا يسمع بها للمرة الأولى وتسميات أخرى مضحكة خاصة وهي تندرج تحت العنوان الأكبر المتضمن كلمة "الجواري". وبغض النظر عن الإقبال على مثل هذه الدورات التي لا نعلم هل تقوم على أسس علمية حقيقية أو أن من يقدمها يملك شهادة خاصة تخوله لمثل هذه الدورات التي تتكاثر هنا وهناك وينقاد لها البعض دون وعي أو أنه من جماعة #هلكوني، بعيدا عن هذا كله فإن التصالح مع المقدمة والمعد لمثل هذه الدورة مع استخدام هذه الكلمة في عنوانها والتسويق له تحت أوصاف أنثوية قد يخلب ألباب بعض السيدات ويتصالحن بالتالي مع الكلمة ويحضرن الدورة، وما قد يطرأ من تحسن ورضا على مشاعرهن بعد مثل هذه الدورات التي تعنى بتطوير النفس والتلاعب على المشاعر بمحض إرادتنا، التصالح معه وقبوله أمر رجعي ومؤسف.
بالعودة لأصل كلمة جارية في اللغة والتاريخ، فهي تعني: الخادمة والأمة، وهي المرأة التي تلبي نداء سيدها. ولها كلمات رديفة في العربية وبلغات العالم المختلفة ككلمة قينة والمحظية والحريم التي ابتكرها العثمانيون وانتشرت حتى الوقت الحالي. ولا يخفى على أحد أن الجواري أو الإماء وما يملأ قصور السلاطين من الحريم هم الحصيلة التي يغنمها الفاتحون والمقاتلون في حروبهم السياسية، أو يكن مما يهدى لبعض الخلفاء والسلاطين وكبار رجال المجتمع والقبيلة كنوع من التصالح والترضية وعقد الصفقات بين الرجال. وترتكز مهمة الجارية في إسعاد سيدها الذي جلبت من أجله، إسعاده بإرضاء غرائزه وتلبية أوامره والخنوع المطلق له على حساب كرامة نفسها وجسدها وشخصيتها التي لم تدركها يوما، وإخضاع كينونتها بالمطلق لأجل ذلك السيد. منطق الحريم هذا امتد في عصور مختلفة مع اختلاف نسبي في المضمون خاصة مع انتهاء عصور الرق، وأصبحت الحرائر أيضا يتصرفن كالجواري في إلغاء وجودهن واستقلالهن من أجل الرجل ورضاه وعبودية غرائزه، وهي تتقرب إليه في سبيل ذلك بالعناية المبالغ فيها بجسدها ومواضع راحته وبمحاولة التفنن في إبقائه راضيا عما تيسر له منها من قشور خارجية تبلى مع الزمن سرعان ما يستبدلها بقشرة أخرى لا يجد صعوبة في الحصول عليها. حالة إلغاء الشخصية هذه توارثتها على نطاق واسع مجتمعات كثيرة وعززتها في أساليب التربية والتعليم والحياة عامة الحركة الصحوية التي سيطرت علينا ردحا من الزمن، فأصبحت المرأة التي تخرج عن إطار الخضوع المطلق للرجل وتسعى وراء حقوقها في الحياة مغضوب عليها من النساء اللاتي يعشن بأسلوب الجواري قبل سلاطينهن من الرجال.
الانفتاح التعليمي والفكري الذي نعيشه في هذا الوقت يُبشر بالخير وأن وعي المرأة يتزايد بقيمتها كإنسان شريك للرجل في جميع الفرص المتاحة، وشريك في بناء الأوطان وتربية الأجيال تربية تنويرية واعية. وحولنا المئات من النماذج من النساء اللاتي نجحن في حياتهن العملية والوظيفية ويعشن بحب في أسرة تتشارك فيها مع زوجها الحياة والتربية والسعادة والثقة دون الفكر الحريمي الذي يعيش في رؤوس عشرات الأسر الأخرى، أو يحاول أن يطل برأسه بين حين وآخر بطرق مختلفة كنموذج الدورة التدريبية التي تمرر مصطلح الجواري لشريحة من المتلقيات تربي فيهن وفيمن تؤثر عليهن السطحية والسذاجة والخضوع الذي يربك الحياة السوية والوعي الذي نحتاجه لأجيال أكثر تحضرا وصلاحا.
أختم باقتباس ساخر تذكرته حال قراءتي لعنوان دورة الجواري تلك للباحثة والكاتبة المغربية الشهيرة فاطمة المرنيسي -رحمها الله- في كتابها الشهير "هل أنتم محصنون ضد الحريم" تقول فيه للرجال ذوي الفكر الحريمي: "كلما أمعنت في تكبيل حرية المرأة العربية انصرفت هذه المرأة إلى تحصيل العلم. وكلما تعلمت السيدات العربيات أصبحن لا يُطقن، أي أنهن يقطعن حديثكم حين تتفوهون بالحماقات. ويجب السعي لتصنيع نساء صامتات خاضعات يصغين بانبهار دون أن ينبسن ببنت شفة".