كم احتاج المجتمع السعودي لكي يتعلم كيف له أن يقول الحقيقة التي تتناسب مع قيمه؟ كم هو عدد الأعوام التي استطاع أن يطالب فيها، حتى للقنوات الفضائية بأن تكون صيغة توجهاتها تتناسب مع الفكر المجتمعي السعودي؟ رغم أني ما زلت أصر على أن حرية الفكر والتعبير هي من حقوق الإنسان الكونية، وأحيانا نحتاج إلى انتزاعها.

أعترف بأن أقوى شعب عربي حاليا هو الشعب السعودي، لأنه استطاع عبر برامج وضعت للتسلية والتواصل مع المجتمعات الأخرى، أن يستفيد منها في تحقيق مكاسب فكرية، والسعي إلى فرض آرائه بما يتماشى مع السلوكيات والعقائد الفكرية، وهو المجتمع الذي عرف عنه تمسكه بمعتقداته القوية، رغم أن البعض لا يزال يضمر أفكارا متناقضة مع المجتمع، ولكن في الوقت نفسه لا يزال يحاول أن يستوعب التغيرات المذهلة في بناء المجتمع السعودي.

عرف أفراد المجتمع السعودي أخيرا معنى الاختلاف، واستطاع أن يتغير دون حاجة إلى من يرشده إلى ذلك، فقط اتبع منهجيته وسار عليها، وكما قلت مسبقا باتت لديه القدرة الأخاذة في أن تكون السلطة أحيانا بيده، لا بيد الإعلام وحده، يصنع الشعب السعودي الضجة لكنه لا يتركها ويتسلى بأخرى، بل يظل يطارد الفكرة التي لم ترق له حتى يصل إلى تحقيقها، وهو ما أظن قد عجزت عنه بعض الشعوب العربية.

استفاد المجتمع السعودي من كاريزما خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وقد وجد الشعب نفسه أنه لا بد أن يكون سندا لتوجهات الحكومة، من حيث الشعور بالمسؤولية الملقاة على كاهله، وأن يكون حازما وصارما ومسؤولا في اتخاذ القرارات، هذه وجهة نظري، وأنا حينما أمجد شعبي لأنني في الحقيقة لست بعيدة عنه، ولست منفصلة عن الواقع الذي أتعايشه معهم يوما بيوم، ربما يرى بعض القراء أنني أكيل المديح أكثر من اللازم، ولكن الحقيقة غير ذلك، فقد أبهرني ذلك الصوت الزاعق الذي ظهر من مختلف فئات المجتمع السعودي، وهم يطلقون ويعبرون إما عن رفضهم أو عن تأييدهم لحدث ما.

وفي الأيام الأخيرة زاد وعي كثيرين من أفراد المجتمع، حتى الآن لست ضد أو مع ما حدث مؤخرا، لكن يبدو للجميع أن هناك ثمة تقارير إعلامية لا تتوافق مع رؤية المجتمع السعودي، مثلما حدث مع التقرير الذي بث السبت الماضي في إحدى القنوات الشهيرة، وتم تقديم التقرير بعنوان "دعاة على أبواب شق الأمة"، هذا التقرير لم يرض به معظم السعوديين، بسبب حملتها على بعض الدعاة السعوديين ووصفهم بالإرهاب وإشعال الفتنة وشق الصف في المملكة بالدعوة إلى الجهاد، وكانت القناة قد قالت في تقريرها إن الخطاب الديني العاطفي الذي يتبناه هؤلاء الدعاة -على حد قولها- هو السبب الرئيس الذي أدى إلى مقتل آلاف الشباب، وزعمت القناة -كما كتب في عدد من الصحف- أن ما قاله الداعية الدكتور محمد العريفي في إحدى خطبه، خير دليل يعضد ما ذهبت إليه، حيث قال العريفي: "بعض الحكام للأسف يريدون الشباب أن يكونوا مثل العبيد، والغنم، والقطعان".

الغضب بدا واضحا وشرسا للغاية، "تويتر" على سبيل المثال انتفض صراخ الناقمين أو الذين يجدون أن المساس بالشيوخ والدعاة خط أحمر، ولا يمكن العبث به، وهذا الغضب يشبه إلى حد كبير ما تم بعد عرض الفيلم الوثائقي "حكاية حسن" على شاشة العربية الإخبارية، بعد يومين فقط من إعلان المملكة عن قرارها بوقف المساعدات المالية إلى لبنان، مما شكل رد فعل للقناة التي لا أعرف كيف استطاعت تدارك الأمر، هل هو في قرارها بإغلاق مكتبها في بيروت، وتسريح العاملين بعد إعطائهم رواتبهم لثلاثة أشهر، بالإضافة إلى راتب رابع في محاولة للترضية، فيما أن هناك أخبارا تقول إن دوافع الإغلاق جاءت لأسباب أمنية، ورأت الحكومة اللبنانية ممثلة في وزير الإعلام رمزي جريج أنه قرار سياسي ناتج عن الأزمة مع المملكة، هذا ما جاء في عناوين الأخبار في مختلف الصحف العربية.

لذا فقد تأكدت تماما أن الشعب السعودي لا يغضب دون وجود أسباب حقيقية، ولا بد أن تكون هناك دوافع وإرهاصات فكرية تقف خلف كل غضبة "تويترية"، بسبب فيلم وثائقي أو تقارير تمس حدود المجتمع السعودي الذي عرف عنه تقديره لولاة الأمر.