أقرأ في تويتر أحيانا عن الناشطين في الحقوق في السعودية، وأجد أن أعلاهم صوتاً ناشطة سعودية كانت تعمل في سلك التعليم ووصلت إلى مديرة مدرسة، ثم بزغ في ذهنها أن تتحول إلى حقوقية تجادل الدولة والمجتمع والدين، وتزعم أنها فدائية الليبرالية في عالم الصحراء وكتم الحريات.
لقد كانت تلك السيدة تجيد صنع الشعارات التي تثير العواطف لا الهمم، وتستجلب الغضب لا العمل، وتصنع العداء لا المحبة، وتنقل الخلاف إلى الصراع بدلاً من الاتفاق من وجهة نظري المتابعة.
هذه الحقوقية وبعد أن وصل صيتها إلى كل مكان كانت تترك مدرستها وتلتقط عباءتها وتبحث عن مواطن مناصرة حقوق الإنسان، ولأن المدرسة بلا مديرة فإن المعلمات كن يتسابقن على الأبواب وأهملن التدريس إلا من رحم الله منهن، والطالبات لم يعدن يدرين هل هن في مدرسة تعلمهن أو في نادي سوالف صباحية، وبات الحارس يضرب كفا بكف يخبر كل ولي أمر يمر عليه بقصة المديرة التي تحضر لتوقع وتخرج حتى اشتكى ولاة الأمور إلى إدارة التعليم، فاضطر مدير التعليم إلى نقلها إلى وظيفة مشرفة تطوير ظناً منه أنها ستمارس ما تطالب به، لكن الأمر انكشف فكانت تمضي الأيام في مكتب مديرة المركز تطالبها بالسماح لها بالخروج قبل موعد انتهاء الدوام، وكنت وقتها أقضي وقتاً في ذلك المركز كباحثة، فكانت قصتها محل تندر المشرفات، خاصة أنه بدا للجميع عدم رغبتها في مجرد إبداء رغبتها في تقديم أي مقترح تطويري أو حتى المساهمة في أي نشاط يخص مركز التطوير.
ولأن هذه الحقوقية التي لا تؤدي حق راتبها وواجب عملها بعد أن حاصرها هذا التساؤل: ألا تريدين للدولة أن تتطور خاصة في التعليم ها نحن منحناك المكان والأدوات؟ فلما انتبهت أنها في مأزق قدمت تقاعدا وارتاحت في منزلها وبيدها هاتفها تدلف منه إلى تويتر وتنادي بالحقوق.
ثم في يوم ما وكنت أحضر جلسة من جلسات الحوار الوطني حول الثقافة والإعلام رأيتها تدخل صارخة: أين الرجال لماذا تعزلوننا عنهم؟ فضج المكان بالضحك، سواء من المثقفات المحسوبات على التيار الديني أو الليبرالي.
أضافت مداخلتها فلم تضف جديداً نفس العبارات الصادمة والمعادية للمجتمع، مما دفعني إلى التساؤل عن هدفها بالضبط، هل هو واضح أمام ناظريها أم مجرد صناعة الضجيج هي الهدف، وهي تؤتي ثمارها بالنسبة لها، ولا يعنيها ضيقنا بفكرها.
ثم شاهدتها في قناة لبنانية سخر منها المذيع بعد أن عرفها بـ"ناشطة حقوقية"، ثم تناولتها أقلام النسويات اللبنانيات بعدم احترام وعتاب كبير لمقدم البرنامج، واعتبرن وصفها بحقوقية إهانة للحقوق النسوية والمجتمعية، فليست ليبرالية ولا مدافعة عن الحقوق في نظرهن.
لقد كانت هذه المرأة تملك أن تكون قائدة لجيش يقودنا للتطور والحضارة فقط لو وعت دورها كمديرة مدرسة، وحثت معلماتها وطالباتها على العلم والمعرفة والتزود بالمهارات، لكن قاتل الله اللهاث خلف الأضواء وعشق الصراخ والدندنة بالحقوق فلم تترك للعاملين نصيب.
في المجتمعات المتحضرة سيرة الشخص الذاتية تسبقه قبل أن يمنح فرصة التنظير على الناس، فإذا لم يكن جديرا بذلك سيصادف رفضا كبيرا، خاصة من الإعلام في ما يخص تقديمه أو دعوته، بل إن من يخطئ من هؤلاء الحقوقيين ويظهر تاريخا سيئا له يبادر بالاعتذار قبل أن ينسحب.
إنهم يحمون منابرهم وهو للأسف ما لا يحدث في مجتمعاتنا، حيث يقدم أشخاص غير مؤهلين فلا يؤثر ما يقولونه أو يدعون إليه، ولقد عرف أسلافنا صانعو الحضارة الإسلامية ذلك، فكان ما يسمى "علم الرجال"، وفيه ينقد المحدثون نقداً يجعل من الاستحالة ظهور مثل هذه المرأة، لكنه للأسف زمن مضى.