لألأة الأضواء في الليل متصلة من الدمام إلى جيزان، ما يقرب من 4 ساعات قضيتها سفراً وعوداً بين الثغرين البحريين في الشرق والجنوب. وطن كبير شاسع يستكنّ بجنح الليل ويصطبح تحت العلَم المبارك صباحا يردد ذات النشيد.
لأول مرة أزور الدمام، قضيت فيها يومين عامرين بالأصدقاء الذين جمعهم نادي المنطقة الشرقية الأدبي لحضور افتتاح موسمه الجديد بتكريمه للشيخ أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري وجلستي نقاش حول "الكاتب والقضايا الوطنية الكبرى".
تطارح الكتّاب من شجونهم ما شاؤوا، عن السقف المتاح والكلام المباح والمعلومة الغائبة والطرق المقفلة والخطوط السالكة. اختلفوا في التعاريف والأولويات لكن مقاصدهم هي الكلمة الطيبة مهما كانت قاسية والمصلحة العامة مهما كانت مكلفة.
حين نبدأ الحديث عن الوطن فإننا، غالباً ما ننزاح دون قصد للحديث عن الدين وعن الأمّة. ولا شك عندي أن الواقع المعاش لا يعاني من التباس بين هذه المفاهيم الثلاثة (الوطن، الدين، الأمة)، لكن الوعي العام في أغلبه ما زال مستسلما لهذا الالتباس نتيجة الضخ التعليمي والإعلامي على مدى عقود، وسيأتي يوم قريب يستقيم الوعي ويتحدث عن كل منها على حدة.
يعلل الشيخ الجليل ابن عقيل الظاهري مؤامرة المتآمرين على الإسلام والمسلمين ببعدنا عن ديننا، وأن ذلك يصب في مصلحة إسرائيل، يسأله محمد السحيمي سؤالاً فاصلا أهمّ من الجواب: ولماذا لا تنجح المؤامرات إلا علينا؟ لماذا لا تنجح ضد إيران مثلا؟
لم أجد الفرصة لأسأل: نحن ابتعدنا عن ديننا؛ هذا شيء مفهوم، لكن المتآمرين علينا بلا دين أصلاً فكيف ينجحون ونفشل؟ أكيد هناك أسباب لنجاحهم وفشلنا غير البعد أو القرب من الدين كأخذ الدنيا بالعقل والعلم والقوة مثلاً. شخصيا أعتقد أن السياسة هي البحث عن المصالح، وهذا شيء طبيعي، الخطأ أننا نسمّي بحثنا عن مصالحنا سياسة ونسمّي بحث الآخرين عن مصالحهم مؤامرة.
سنختلف على توصيف "القضايا الوطنية الكبرى" ولا يضيرنا اختلافنا على أي القضايا صغيرة هامشية وأيها كبيرة هامّة وأيها كبرى أهمّ. هذا الاختلاف سببه الزاوية التي ينظر منها كل واحد منا إليها. إن كل قضية تهمّ المواطنين هي قضية وطنية كبرى، وإن الأوطان لا تعيش حالة استرخاء فكل لحظة فيها هي لحظة توتر، والشعوب لا تعيش مراحل دقيقة ومراحل غير دقيقة، وإنما كل ثانية في حياتها هي مرحلة دقيقة.
صحيح نعيش حالة حرب على حدودنا الجنوبية وهذه قضية كبرى، لكنها لا يجب أن تصرف انتباهنا عن قضايا كبرى أخرى.
أن يستشهد جندي على الحدود في المعركة فهذا شيء طبيعي، موت طبيعي في المكان الطبيعي، وأن يموت مواطن على الطرقات بسبب التنفيذ السيئ للطرقات أو التقصير من قبل المرور فهذا قضية كبرى أيضا.
أن يستشهد رجل أمن أثناء مداهمة مجرمين فهذا شيء طبيعي وموت متوقع في معركة، لكن أن يموت مواطن نتيجة مطاردة أعضاء يتبعون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا أيضا قضية أخطر، لأنه موت مجاني لمواطن ليس في أرض المعركة.
أن يموت مواطن في صامطة بسبب قذيفة حوثية طائشة قضية كبرى لكنها من ضمن منطق الحرب، أمّا أن يموت 25 مواطنا حرقا في مستشفى جازان فهذه قضية أخطر لأن المستشفى مكان لطلب العافية.
التحريض الفارسي أو الأميركي أو الروسي على بلادنا قضية كبرى لكن التحريض الطائفي الداخلي قضية أخطر وأكبر. كل القضايا تكون كبيرة إذا نظرنا لها من زاوية ما، ومن الظلم تصغير أي قضية تمس المواطنين أو صارت محل اهتمام المواطنين.
بقيت كلمة أخيرة بخصوص "الأمّة": فهي ترد يوميا على لسان علمائنا ووعاظنا وكتابنا، ماذا نعني بها؟
إن لم نكن نعني بها هذا التراب الذي يتلألأ تحت العَلَم من أقصى ذرة تراب في شمالنا إلى أقصى ذرة تراب في جنوبنا؛ فماذا نعني؟
في مفردة "الأمة" ضباب خطر على "الوطن" يجب إزالته.