لا يمكن لقائد وزعيم تاريخي مثل، سلمان بن عبدالعزيز، أن يغادر عاصمة وطنه ولخمسة أيام، في زيارة رسمية إلا إذا كان في الأمر ما يستحق. وكل من يعرف "أبوفهد" يعلم جيداً جيداً جيداً أنه رجل مكتب ودوام، وأنه يهتم بتفاصيل الدقائق في حياته العملية، فلماذا يذهب لخمسة أيام إلى القاهرة؟ والجواب أنها ليست مجرد زيارة رسمية بقدر ما هي "قصة مدينتين". القاهرة بزعامتها لعالمها العربي والرياض بوصفها قائدة العالم الإسلامي، وكلتا الخريطتين تمران اليوم بأزمات تاريخية لم تشهدا مثلها في كل التاريخ المعاصر.

أدركت القاهرة، وحدها، من بين كل العواصم العربية أنها كانت في مفترق الطريق الخطير لكذبة "الخريف العربي"، ولأن شعبها خلاق ثقيل فقد نهضت بأسرها في الثلاثين من يونيو لتقول بالعامية الشعبية "كفاية كده". لا يمكن لهذا النيل العظيم أن يتحول إلى مجرد ينابيع شاردة مشتتة في صحراء العرب، لأن مصر ليست لأهلها فحسب بل هي أم هذا العالم العربي ومصدر ثباته وقوته. وحتى مع الرياض، جُرِّب هذا "الخريف العربي" ما يمكن له أن يفعل فكانت كذبة "الحادي عشر من مارس" الشهيرة، ويومها تصدى هذا الشعب السعودي الوفي لكل ما يحاك له من مؤامرة وبعدها... وفي الجمعة التالية، ومساء، وكما هي سهرة السعودي، خرج هذا الشعب بالملايين: ملأ كل الشوارع والطرقات يحمل علم بلاده وصور قادته في احتفال واحتفاء آسر خلاق، وكأنه مساء جديد لتأكيد اللحمة والوحدة.

لماذا يذهب سلمان بن عبدالعزيز إلى القاهرة بالتحديد، ولماذا يغادر عاشق المكتب وتفاصيل الثواني والدقائق وسيد الدوام، ولخمسة أيام إلى القاهرة؟

والجواب يكمن في الإجابة عن هذا الظرف الصعب الذي يمر بهذه الخريطة. السعودية ومصر وحتى في الشكل "البيولوجي" التشريحي الصرف لخريطة العرب والإسلام لا مكان لهما إلا ما كان للرئتين من الجسد. على ضفاف نيل مصر يعيش 90 مليون مواطن مصري برهنوا أنهم أذكى من أي كذبة تحاول أن تجر هذا الشعب الثقيل إلى خارج خريطته، وهنا، وفي الرئة الأخرى يكمن النفوذ السياسي وقوة الاقتصاد، اللذان جعلا من السعودية لاعباً أساسياً في القرار الدولي، ذهب سلمان بن عبدالعزيز إلى القاهرة بالتحديد كي يقول لكل هذا العالم ذات الجملة المصرية "كفاية كده". ذهب لكي يقول لكل هذا العالم إن القاهرة والرياض تستطيعان أن تضعا حداً لهذا العبث الذي أضاع بضع عواصم عربية وأخذ في مهب الريح معه شعوباً عربية تعاني اليوم من ويلات الحروب والتهجير وحتى الاستسلام لنفوذ وتدخلات الجار العدو المعلن. والخلاصة أن الرياض والقاهرة لا تعلنان فقط عن "قصة مدينتين" بل ولادة مدن العروبة وبني الإسلام الجديدة: الزيارة ولادة لحلف تاريخي يوقف هذا العبث.