لا شك في أن الحروب القائمة حاليا في عدد من الدول العربية تشكل هاجسا حقيقيا لكل الدول التي تحيط بتلك البؤر الملتهبة، وهو الأمر الذي دعا العديد من الدول إلى التدخل في محاولة لتحقيق واقع جديد قد يكون نواة لاستقرار مستقبلي تكون فيه المنطقة أكثر أمانا واستقرارا.
ما يقلقني أكثر ليس استمرار الحروب، فالحروب العسكرية ستنتهي في يوم ما نأمل أن يكون قريبا وبانتصار الشعوب واضمحلال كل مواطن الفتن والانفراد في السلطة، بل القلق الذي أراه يتزايد يوما بعد يوم هو المصير الذي ستكون عليه تلك البؤر في مرحلة ما بعد الانتصار، ففي ليبيا مثلا انتصر من يسمون بالثوار، وزال الطاغية إلا أن أصحاب المصالح ما زالوا يلعبون في تلك البلاد إلى يومنا هذا، فمن دخل مساندا عسكريا في تحقيق الانتصار لن يخرج بسهولة من أرض يرى أنه كان أحد أطراف الانتصار فيها، إن كان ذلك من الأطراف المحلية أو الدول والجماعات الدولية، فاستمرت الحرب إلى يومنا هذا، وإن كانت بتوصيفات مختلفة تستخدم تعابير في أحيان كثيرة تحاول التخفيف من طبيعتها الفوضوية.
في سورية اليوم نرى أن مصير الأسد ومعاونيه يقترب يوما بعد آخر نحو النهاية والاضمحلال رغم المقاومة الشرسة والمساندة القوية التي تحصل عليها من دول عالمية وإقليمية، في حين يتقدم الثوار باتجاه تحقيق نصر تلو آخر في وجه ديكتاتورية ظالمة أحرقت الأرض والبشر.
القلق في الشأن السوري هو ماذا بعد أن يذهب إلى الجحيم بشار وأعوانه، وتهزم داعش وأقرانها، هل ستنتهي الحرب وتعود المياه إلى مجاريها؟ الجواب المنطقي هو لا، والسبب أن جميع الأطراف التي تلعب في الملعب السوري اليوم لها مصالحها رغم ما تعلنه بين الحين والآخر من كونها تدعم حق المواطنين، وهو إعلان ليسمح لي العاقلون أن أقول إنه يتناقض مع السياسة باعتبارها لعبة المصالح والأهداف الإستراتيجية.
يتحدث البعض عن أن حرب سورية ما هي إلا المواجهة قبل الأخيرة، وربما الممهدة لحرب على مستوى عالمي، فالقوى السياسية المختلفة تعلم أن المواجهة السورية هي المباراة المفصلية للتأهل لإعادة رسم خريطة العالم وقواه العسكرية والاقتصادية إقليميا وعالميا، فالخاسر فيها سيخسر كثيرا والمنتصر فيها سيأخذ كل شيء، وعليه فمن من الدول التي تلعب دورا في هذه المواجهة مستعدة للتنازل!
الخوف الحقيقي يكمن في مرحلة ما بعد النهاية، لأنها نهاية مرحلية ستلحقها نهاية أكثر بشاعة واصطفافا ومواجهة قد لا يبقى بعدها منتصر.