انخرطت حكومات الدول الكبرى في السنوات القليلة المنصرمة في تمويل الثورة في علم الدماغ والأعصاب ببذخ وتحت واجهات مختلفة. ففي الولايات المتحدة الأميركية استثمرت وكالة "مشاريع الأبحاث الدفاعية الأميركية المتقدمة"، التي تقوم بإجراء وتطوير البحوث العلمية الرائدة لوزارة الدفاع الأميركية، بكثافة في التقنيات العصبية والدماغية. وفي عام 2014، على سبيل المثال، بدأت الوكالة تطوير زرعات تتعقب وتسجل الحوافز العصبية. والهدف المعلن للمشروع هو علاج قدامى المحاربين الذين يعانون ظروفا مثل الإدمان والاكتئاب.

وأطلقت الولايات المتحدة في عام 2013 مشروع "مبادرة برين" BRAIN Initiative، حيث تم تخصيص الملايين من الدولارات مسبقا للدراسات التي تم إجراؤها خلال السنوات الثلاث الأولى، ولم يتم تحديد مقدار التمويل المستقبلي بعد. وطلبت معاهد الصحة الوطنية الأميركية NIH، وهي واحدة من خمس وكالات فيدرالية مشاركة في المشروع، مبلغ 4.5 مليارات دولار على مدى فترة 12 عاما، للجزء الخاص بها وحدها من البحوث.

وخصص الجيش الأميركي وسلاح الجو والبحرية في عام 2011 نحو 135 مليون دولار لمتابعة الأبحاث العصبية. وفي عام 2014 تعهد نشاط مشاريع البحث الاستخبارية المتقدمة، "إياربا" IARPA، وهو منظمة بحثية لتطوير التكنولوجيات المتطورة لوكالات الاستخبارات الأميركية، بمبلغ 12 مليار دولار لتصميم تقنيات لتحسين الأداء في مجال الأعصاب، بما فيها التحفيز الكهربائي للدماغ من أجل تحسين منطق التكيف البشري.

وتقوم وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة "DARPA"، وهي وكالة للمؤامرة والحسد الدوليين، بتمويل نحو 250 مشروعا، وعلى نحو خاص مشاريع رؤيوية تعيد تشكيل العالم مثل: الإنترنت، ونظام التموضع العالمي GPS، والمقاتلة الشبح. وفي عام 2011 خصصت "داربا" مبلغ 240 مليون دولار للأبحاث العصبية والعقلية وحدها.

ويذكر أنه في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تابعت واشنطن مشاريع ما سمي MK-Ultra أي "البحث في -وتطوير- مواد كيميائية وبيولوجية وإشعاعية ومواد قابلة للاستخدام في عمليات سرية للسيطرة على السلوك البشري"، التي ركزت على آليات الإدراك والتنبؤ فوق الطبيعي والتلاعب الإلكتروني بأدمغة الخاضعين للتجارب، فضلا عن محاولات لجمع وتفسير والتأثير على أفكار الآخرين من خلال التنويم المغناطيسي والعلاج النفسي.

وخصص الاتحاد الأوروبي ما يقدر بنحو 1.23 مليار دولار لـ"مشروع الدماغ البشري" الخاص به، والذي بدأ في عام 2013. ويهدف البرنامجان إلى بناء أدوات مبتكرة، والتي تستطيع أن ترسم خريطة لبنية الدماغ، وأن تتجسس على النشاط الكهربائي للمليارات من خلاياه العصبية.

كما تأسست الوكالة الأوروبية للدفاع في عام 2001، استجابة لدعوة إلى إنشاء "دابرا أوروبية". وأنشئت اليابان في عام 2014 وكالة ذات أغراض مماثلة لأغراض "دابرا" الأميركية سميت باسم "جابرا".

وتسعى تلك الاستثمارات إلى استغلال وتسخير طفرة علمية حدثت مؤخراً في الهندسة العصبية، حيث تمكن علماء من مساعدة رجل مصاب بالشلل على السير لعدة أمتار من خلال جهاز يقرأ الدماغ ويوجه رسائل بإمكان الساقين استقبالها وتنفيذها.

وقامت امرأة مشلولة في عام 2015 بقيادة مجسم يحاكي طائرة "إف-35" المقاتلة، باستخدام أفكارها فقط وزرعة دماغية مولت تطويرها وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية الأميركية المتقدمة.

وشهد العقد الماضي من الزمن موجة من الابتكارات في التكنولوجيا العصبية. ففي عام 2005، على سبيل المثال، تم التمكن بنجاح من قراءة عقل بشري باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، وهي تقنية تقيس تدفق الدم الناجم عن نشاط الدماغ. وكشفت الدراسات عن إمكان أن يقوم شخص بإدخال أفكار إلى عقل شخص آخر.

وكان العامل الذي يقوم بتعجيل هذه التكنولوجيا العصبية هو التقدم المتسارع في تصنيع واجهات وأجهزة الدماغ - الآلة "BMI"، وهي زرعات عصبية وحواسيب تقوم بقراءة نشاط الدماغ وتترجمها إلى أفعال حقيقية، أو التي تفعل العكس، حيث تحفز الخلايا العصبية لخلق تصورات أو حركات جسدية.

في هذا السياق، كتب الصحفي العلمي الأميركي تيم ريكوارث مقالة في مجلة فورين بوليسي عدد (سبتمبر)/ (أكتوبر) 2015 بعنوان: "هذا هو دماغك هذا دماغك كسلاح"، أشار فيها إلى أن التكنولوجيا العصبية المتطورة يمكن أن تقوم بمحو الذكريات المؤلمة من عقول الناس وقراءة أفكارهم. كما أنها يمكن أن تصبح ميدان المعركة المقبل في القرن الحادي والعشرين.

والهدف الطبي المنشود من سلسلة التطورات الحديثة الجارية في التكنولوجيات العصبية الدماغية تتمثل في فك شيفرات الخلايا العصبية أو تحفيزها، لتنقل الإحساس إلى الشخص المتصل بها، وتكوين رؤى جديدة لأمراض مثل الشلل الرعاشي "باركنسون"، وإنتاج عقاقير لعلاج الاكتئاب ومجموعة متنوعة من الاضطرابات النفسية الأخرى.

لكن التقنيات الدماغية هي أدوات "ذات استخدام مزدوج"، أي أنه بالإضافة إلى استخدامها في حل المشكلات الطبية، فإنه يمكن تطبيقها أيضا لأغراض عسكرية. حيث يوضح ريكوارث أن "الآلات والأجهزة نفسها التي تستخدم لفحص ومسح الدماغ بهدف تشخيص مرض الزهايمر أو مرض التوحد، يحتمل أن تقرأ الأفكار الخاصة لشخص ما. ويمكن أيضا أن تقوم الدولة باستخدام أنظمة الكمبيوتر المتصلة بأنسجة الدماغ، والتي تسمح للمرضى المشلولين بالسيطرة على الزوائد الروبوتية باستخدام التفكير وحده، في توجيه جنود ذوي أعضاء آلية أو في قيادة الطائرات. ويمكن استخدام الأجهزة المصممة لمساعدة العقل المتدهور بدلا من ذلك لزرع ذكريات جديدة، أو لمحو الذكريات الموجودة، في عقول الحلفاء والأعداء على حد سواء".

ونظرا لأنه لم يمر سوى 13 عاما فقط بين اكتشاف النيوترون وبين إلقاء قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي. فإنه ليس هناك ما يضمن عدم استخدام تقنيات التحكم في الدماغ البشري كأسلحة، أو عدم وقوعها في الأيدي الخاطئة لقراءة البيانات العقلية.

كما أن "البيئة التنافسية" يمكن أن تغذي نوعا من سباق الفضاء العصبي، مسابقة للسيطرة على الخلايا العصبية وتسليعها -في اتجاه جعل الدماغ أداة لخوض الحروب بطريقة أكثر فاعلية من السلاح النووي، وهو سباق بلا قيود أخلاقية أو قانونية. فالسلاح العصبي الذي يتضمن استغلال الدماغ ليس بيولوجيا، أو كيميائيا، إنما إلكتروني، ولا تحتوي معاهدة الأسلحة البيولوجية، ومعاهدة الأسلحة الكيميائية على أي أحكام متعلقة بهذا السلاح وسبل الحد من سوء استخدام التكنولوجيات الدماغية.