من أراد أن يتعرف عن كثب على حقيقة شخص ما فليراقب أفكاره من خلال ما يكتبه، لأن جزءا كبيرا مما نفكر فيه نخرجه إما مشافهة عن طريق الكلام أو كتابة بإحدى صور التعبير أو الألوان المتعارف عليها، أو حتى بفوضوية لا تحتكم لشكل كتابي معين وإنما تأتي من باب التنفيس وحديث النفس الذي قد يظهر للعامة، أو نحتفظ به كشكل من أشكال البوح التي نرى أنها ملك خاص ليس من حق الآخرين الاطلاع عليها، لأن بعضها قد يحمل انطباع اللحظة حول موضوع ما أو شخص ما ويتغير مع تغير الظرف الحالي وتبدل المزاج إلى حال أفضل، هذه قد تكون رؤية البعض ممن يعون أن الكلمة إن خرجت قد تأخذ بعدا يصعب احتواؤه، وقد تجر معها انطباعات ومفاهيم غير واقعية عن الشخص القائل أو الكاتب قياسا على الشعور الذي صاحب اللحظة التي خرجت فيها تلك الجمل المتناثرة، والتي تبلورت بسرعة البرق لتخلق حدثا يناقش بل قد يتطور إلى وسم تتصاعد حوله التغريدات إلى المئات إن لم تصل الألوف. وهذا هو أغلب الطرح في وسائل التواصل، كلام بعضه يفتقد القيمة والآخر يحمل شتيمة أو شماتة، وبعضه هزلي لدرجة الإسفاف، ومرد ذلك إلى أن أغلبنا اغتر بسهولة وسرعة الوصول للجمهور، فتصور أن ذلك يستوجب رفع الحجب أو ادعاء الشفافية التي قد تضر في أغلب الأحيان بل وتظهر سطحية فكر البعض الذي يكرسه في اهتمامات لا تحمل أي قيمة، وحتى عندما يستنكر ما يطرحه يكيل لهم الشتائم الجائرة والاتهامات الجاهزة التي صدرتها لنا ساحة الحوارات المتشنجة التي تجنح إلى تأويل آراء معارضيها مهما كانت بسيطة إلى القدح في الثوابت وتشجيع الانفتاح على ثقافة الخصوم.

والحقيقة أن وسائل التواصل حتى وإن كان لها ضرر في أحيان إلا أنها خدمت كثيرا في كشف وتعرية فكر البعض ومنهجهم القائم على كراهية من يخالفهم، بل وعرت المنافقين الذين قد يظهرون عكس ما تنطق به كلماتهم التي تجمح منهم عند كل حدث فتعبر عن حقائقهم دون إدراك منهم إلا بعد أن تصل للمتلقي والذي لم يستغرب الأمر، غير أن ما هو مستهجن هي تلك المساحة الرحبة من حرية الطرح والتي تعوم فيها بعض الأسماء التويترية لتقول وتتهم وتشتم دون أن يتخذ في حقها أي إجراء نظامي، سبق وأن قيل إنه سيطبق في حق من تجاوز الحدود في فضاء هذه الوسائل التي جعلت من هؤلاء نجوما في فن الإساءة للآخرين.