في بداية عهد الملك سلمان، أيده الله، سالت كثير من الآراء، وبعضها لكتاب سعوديين كبار، ينصحون بتوجيه سياسة المملكة للتحالف مع تركيا، بصفتها قوة سنّيّة كبرى وفاعلة، ورؤيتها لحل القضية السورية مشابه لرؤية المملكة، أما مصر فلها رؤية مختلفة للحل، فتركيا بالتأكيد ستنفع المملكة أكثر من مصر المشغولة بنفسها داخليا، وتركيا لديها خلافات مع إيران مثلنا، وبما أن تركيا تعاطفت مع رموز "الإخوان المسلمون" بعد سقوط حكمهم في مصر واتخذت، وما تزال، موقفا صلبا تجاه الحكم المصري الحالي، فإن أقل ما يمكن للمملكة تقديمه ثمنا للتقارب مع تركيا، هو أن تخفض المملكة موقفها الداعم للحكم في مصر، بما في ذلك التعاطف مع تنظيم "الإخوان المسلمون".
ولا شك عندي، أن هؤلاء الكتاب كانوا مخلصين في آرائهم، لكنهم لم يتخلصوا تماما من تأثير الظرف؛ تأزم علاقتنا بإيران وحاجتنا إلى حلفاء أقوياء كتركيا، ثم مراوحة الأزمة السورية مكانها لسنوات. وهذا كله تفكير ظرفي، وفي خلفية هذا التفكير يقف العامل الاقتصادي، فتركيا لا تحتاج إلى مثل تلك المساعدات المالية السخية التي قدمتها المملكة لمصر.
لن أتحدث عن آراء تيارات الإسلام السياسي، داخليا وخارجيا، في بداية عهد الملك سلمان، لأنها معروفة الغايات وتفتقر بطبيعتها إلى الإخلاص عمدا أو جهلا.
كل ذلك كان في البال وأنا أتابع، كغيري، زيارة الملك، أيّده الله، إلى مصر، وتلك المفاجآت الضخمة التي تخللت الزيارة الملكية لأرض الكنانة. مفاجآت ليس لنا فحسب، بل للعالم. بروتوكولات الزيارة نفسها كانت لافتة للانتباه، فضلا عن حجم ونوعية الاتفاقيات التي تم توقيعها أو التفاهم عليها.
العلاقة مع مصر ليست على حساب أي علاقة مع أي بلد آخر، والعلاقة مع أي بلد آخر ليست على حساب مصر. اختلفنا مع مصر في موجات تاريخية، وسنختلف، لكن نهر العلاقة سيبقى يجري بالود والتعاون، بالضرورة والمصلحة.
في مصر، كما عندنا، نجد من يشتغل على تهييج الجماهير عاطفيا، بعد توقيع الاتفاقيات، ومنها الحدود البحرية، والإعلان عن المشاريع الضخمة، اشتغل المهيجون عندنا على مسألة الدعم المالي لمصر، وهؤلاء لا يرون إلا المال، ولا يعرفون أن مصر قويّة ومستقرة هو ضرورة لتكون السعودية قوية ومستقرة والعكس، واشتغل المهيجون على مسألة جزيرتيْ صنافير وتيران، رغم بيانات الحكومة المصرية والمخاطبات التاريخية التي نشرتها لتوضيح الحقائق، وهذا التهييج إنما هو ممارسة للمعارضة السياسية وليس للمصلحة العامة، ولحسن الحظ، فإن التهييج العاطفي ينتهي أثره ولن يبقى إلا العمل المثمر ولا سواه.
إنه لأمر يثير الإعجاب، ذلك العمل الصامت الطويل على اتفاقية الحدود البحرية دون ضوضاء ولا صراخ، ولا يقل عنه إثارة للإعجاب تلك المخاطبات المكتوبة بين البلدين بلغة رفيعة، تليق بأنها وثائق بين مصر والسعودية، ستنظر إليها الأجيال بإكبار وإجلال.
بعض الإعلاميين والمثقفين المصريين توقف نموّ نظرتهم عند العامل المصري في المزارع والورش السعودية عند "الكفيل". هؤلاء لديهم عقدة دونية، ويجهلون نظرتنا نحن إلى المصري الذي شاركنا حياتنا اليومية، معلما وطبيبا وأستاذا ومستشارا وفنانا ومثقفا وصهرا وصديقا. يجهلون أن دماءنا اختلطت بدمائهم في منعطفات تاريخية يعرفونها حق المعرفة، قاتلنا معا وسالمنا معا وما زلنا معا في اليمن حتى اللحظة، لا نمنّ عليهم، ولا يمنون علينا، فنحن ضرورة لهم وهم ضرورة لنا.
في لحظة تطايرت فيها الأوراق العربية وشظايا الأحلام، ينهض الملك سلمان، لا لإعادة ترتيبها وحسب، وإنما لترسيخها ودفعها إلى الأمام بخطوات تاريخية، لا يفعلها إلا من نسميهم عظماء التاريخ الذين يفتحون آفاقا جديدة لحياة الشعوب.
ليس سلمان، ولا السعوديون، من يتخلون عن مصر الضرورة مقابل حلف مع أي صديق آخر. أكتب هذه السطور وأنا أتابع زيارته، أيده الله، لتركيا، بالقدر نفسه من الإخلاص والحب والمسؤولية.
إنها ترسيخ للنهج السعودي الكريم. زيارة صنعت الأمل بمستقبل مشرق بعد حلك من اليأس، الأمل الذي لا يحسن زراعته في الشعوب إلا كبار النفوس وعظماء التاريخ، من طراز سلمان بن عبدالعزيز.