لن أكتب عن الفساد المعاصر، ولا عن تآكل الطبقة الوسطى، ولا عن دور المادة في زيادة أسباب الطبقيات، فهي موضوعات أشبعَها الكتاب الاقتصاديون وغيرهم كتابة، وإنما سأستعيد إشارات إلى الفساد المالي والطبقيات في تاريخنا، رابطا إياها بأبيات من شعرنا القديم تصلح لكل فساد وزمان، وهو فساد تاريخي لا يمكن نفيه؛ فحين انتهج القرآن الكريم أسلوب التنديد بأهل المكاسب المحرّمة من الربا، والتطفيف في الكيل والوزن، والذين يأكلون أموال الناس بالباطل، فإن ذلك تأكيد على أن طبقة الأثرياء قد تحصل على المال بطرق غير مشروعة، فتأكل أموال الفقراء، على طريقة "هوامير" عصرنا الحاضر الذين يحرصون على أكل اليابس قبل الأخضر.
وعند النظر في التاريخ العربي، نجد أن الخلل المالي قد أفرز بعض الأحداث التاريخية النفاقية الصريحة؛ فبعض القبائل العربية -مثلا- كانت تتظاهر بالدخول في الإسلام طمعا في الحصول على جزء على أموال الصدقات. (كما يذكر صاحب كتاب: "نهاية الأرب")، وكأنهم -في عصرنا- بعض الذين يحرصون على الانتماء إلى التنظيمات الغنية التي تُكثر من جمع التبرعات!
الفارق الكبير بين الأغنياء والفقراء، أدى إلى ظهور صور شعريّة احتجاجية، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى سعة الفوارق، فمن النادر أن نجد شعرا يفضح عيوب طرائق الكسب عند الأغنياء، في حين نعثر على أشعار كثيرة تشكو الولاة والعمال وتصور جورهم الاقتصادي؛ ولعل هذا يعود إلى وجود حالة مصلحية تحكم علاقات الموسرين بالمحتاجين، كالحالة المصلحية في الانتماء إلى بعض التنظيمات الآن، وربما كان اتجاه الشعراء الفقراء إلى التكسب بشعرهم من خلال مدح الأغنياء سبباً في اضمحلال معاني التنديد بفساد الأغنياء.
وقد يصور الشعر قسوة الغني القادر على امتلاك كل شيء بماله، حتى إن الفقير قد يفقد حبيبته؛ لفقره ولقدرة الغني على إغرائها بالمال. يقول سُبيع بن الخطيم التيمي يذكر فقده لصاحبته "صدوف" التي تركته واختارت رجلا غنيا:
بانَتْ صَدُوفُ فقلْبُهُ مخطوفُ
وَنَأَتْ بجانبها عليكَ صَدُوفُ
واستبْدَلَتْ غَيْري وَفَارقَ أَهْلُها
إنَّ الغنِيَّ على الفقيرِ عَنيفُ
ويصف آخرون حاجة الفقراء إلى الأغنياء، وما يصاحب العطاء من المنّ الممقوت، وكيف يصبح عزيز القوم ذليلا بسبب فقره، ومن ذلك أبيات لجاهلي اسمه عمر بن مالك بن ضُبيعة. يقول:
يَمَنُّونَ إنْ أعْطوا ويبْخَلُ بَعْضُهُم
وَيُحْسَبُ عجزاً سَكْتُهُ إنْ تَحَمَّلاَ
وَيُزري بعقْلِ المرءِ قِلَّةُ مالِهِ
وإنْ كانَ أقْوَى مِنْ رجَالٍ وأَخْيَلاَ
وكان الناس يميلون إلى الأغنياء مهما كان بخلهم وانحطاطهم الأخلاقي، وهي حال تدل على خلل اجتماعي قادت إليه حاجة الفقراء إلى فتات ما عند الأغنياء، وقد نَدّد مالك الهذلي بهذا الواقع، فقال:
رأَيتُ مَعَاشِراً يُثْنى عَلَيْهِـمْ
إذَا شَبِعُوا وأوجُهُهُمْ قِبَاحُ
يَظَلُّ المصْرِمُونَ لَهُمْ سُجُـوداً
وإِنْ لَمْ يُسْقَ عِنْدَهُمُ ضَيَاحُ
ويصوّر مالك بن حريم الهمداني هذه الحال التي يُرفع فيها قَدْر الغني مهما كان وضيعا مذموما، ويُحط فيها من قدر الفقير:
أُنْبئْتُ والأَيَّامُ ذَاتُ تَجارِبٍ
وتُبْدي لَكَ الأَيَّامُ ما لَسْتَ تَعْلَمُ
بأنَّ ثَراءَ المَالِ يَنفَعُ رَبَّـهُ
وَيُثني عليهِ الحمْدَ وهو مُذَمَّـمُ
وَأَنَّ قليلَ المَالِ للمَرْءِ مُفْسِـدٌ
يَحزُّ كَمَا حَزَّ القَطيعُ المحـرَّمُ
يَرَى دَرَجاتِ المجْدِ لا يستطيعُها
وَيقْعُدُ وَسْطَ القَوْمِ لا يَتَكَلَّـمُ
لا أدري، لماذا حضَرَت إلى ذاكرتي -مع هذه الأبيات- مشاهدُ تهافت الناس -قبل سنوات- على "موظفي الأموال" الذين طرأت عليهم الثروات، ثم ابتعاد المريدين عنهم بعد ذوبان المليارات...؟ فتأملوا.