(السبار) في المعاجم غور الماء، وهو العميق وما لا تناله الدلاء كقولهم (غار الله القوم بخير) أي أصابهم بخصب ومطر ونفعهم به، وأهل القرى في (عسير) يحفظون هذه المفردة وهذا المصطلح جيدا، وتحفل ذكرياتهم بمخزون وافر لا ينضب من المرويات والسرديات الغرائبية والمدهشة عن ذلك الطقس الماطر، فحين تهجع القرية بعينيها الخافتتين تلوك هواجسها الليلية في انتظار ممض لمشارف الفجر، لتلمس بكفوفها عبق الطين، وأثواب الشجر المبتل بمساكب (السبرة) وعنفوان الليل المطير. كل شيء في القرية يستيقظ باكرا، قوس قزح، الصبايا الحالمات، غناء الرعاة، جمر المواقد، صبر الرجال، نشيد الفلاح، فرح الطفولة، طمي الأرض، حكايا المساء، ثرثرة السواقي، أصابع المحاريث، الغيوم الخضراء، انثيال الأرواح المشغوفة بنكهة الحقول وأعراس السنابل، في الهزيع الأخير من الليل يتقاطر القوم كشميم الرياح، وحمحمة الجباه المعروقة، ورجفة الأنفاس التواقة، لتنوس بأقدامها العارية أديم الأرض، وخابية العمر، وبيادر الحنطة، ينسربون ويدبون في مسالكها قبل أن تخلع العتمة عباءتها، شاكرين الله سبحانه وتعالى على ما أسبغ عليهم من رحماته فهم يسمون (المطر) الرحمة والغيث والحيا، قال تعالى في سورة (الشورى): (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد).
رأيتهم وهم ينحدرون إلى (حبلانهم) والحبل في معاجم اللغة (الزرع ونحوه امتلأت سنابله حبا) يهبطون كالأفلاك ليتفقدوا ما جرفته المياه الهادرة والهابطة من السيول الجبلية والشعاب والتخوم البعيدة، وما أحدثته من مفاعيل وانهدامات في فضاءات القرية ومتعلقاتهم الحياتية، أبصروا ذلك المشهد وتبينوه ضحى الغد، فلم يستوطن اليأس أرواحهم، ولم ينهش الانكسار أجسادهم، بل تنادوا كمطالع الصبح وأسرفوا في الغبطة، وفاضوا كالرواسي في دروب القرية، تحت لفح الهاجرة، اصطخبوا في الغناء والحداء ليهزموا الضنك والشدة وقسوة الحياة، وليبنوا ما تهدم بكثير من البهجة الغامرة والعشق الصاخب، كل شيء في القرية يعود كما كان حتى فراشات الوادي، وعطر المواويل، ودفء الغدران، ورائحة البخور، ودوي الرعود، ونسيم العشايا، والشجر المتثائب، السيل في القرية لا يشبه سيل المدينة، فسيل القرية يغسل وجهها بكوثر الماء العذب، وما يحمله من شيح الجبال وسدر الأودية وحبق السهول، وطلع الأزاهير وعبير العشب، بينما سيل المدينة يركض كالمسعور، ويعوي في الشوارع كالذئب الجريح، يطلق سهامه كالشهب الحمراء، ويحمل في جوفه الدمار والخراب والعذاب، يزمجر في الأحياء كالوعول فترتجف المدينة تحت وطأته فيحولها إلى وحل كريه، ومستنقع آسن، وأزقة مجدورة بالحفر والانهيارات، فكأنها مدينة الشاعر (البردوني) (مليحة عاشقاها السل والجرب).