مواسم الأمطار والسيول صارت مواقيت يختبر فيها المواطن كفاءة الأجهزة التي تقدم له الخدمات (دفاع مدني، بلديات، أمانات، مواصلات، صحة، وحتى التعليم).
لفظ "يختبر كفاءة الأجهزة" ليس دقيقا، فالواقع أنه يختبر تقصير هذه الأجهزة، ينتظر المواسم ليتفرّج على نتائج الفساد، سواء كانت فاحشة جدا أو فاحشة إلى حدٍّ ما أو مستورة، المواسم وحدها تشهد بصدق الشكوى التي لا تصغي لها الأجهزة كما يجب ولا تعترف بها.
كل مدير إدارة محلية يقول إنه يعمل بتوجيهات رؤسائه في الوزارات المعنية، لكن الواقع على الأرض لا يعكس غاية هذه التوجيهات، بل هو يثبت أن بعض هؤلاء المسؤولين مقصرون في تنفيذ التوجيهات العليا، وليست لديهم الشجاعة ليعترفوا بأنهم مسؤولون عن كثير من الكوارث التي تقع في المواسم وفي غيرها.
يكشف السيل عن هشاشة طريق، عن طبقة رقيقة من الإسفلت غادرت مكانها في أول التيار كاشفة عن تقصير إدارة الطرق، يدخل السيل مدرسة يكشف عن تقصير إدارة التعليم ومهندسيها منذ اختيار المكان إلى تطفيف المواصفات إلى استضافة الماء في فصولها.
لا، ويتلكأ مديرو التعليم في قرارات تعليق الدراسة ليس بسبب حنكة إدارية وإنما للخوف من القرار، فهم تعودوا أن القرار يأتي من الوزارة، مما يعفيهم من المسؤولية، يتلكأ مديرو التعليم وكأنهم واثقون من أن الطرق والمباني المدرسية والحافلات والخدمات البلدية كلها في المستوى العالي من الجاهزية لحماية حياة الطلاب، بينما هم يعلمون الحقيقة.
بعد أن تفضح السيول ما يمكنها أن تفضحه يستغرب المواطن أن أحدا من أبطال المشهد لم يتغير ولم يسائله أحد، مع أن طبقة الإسفلت كانت فصيحة في تعرية المسؤول مرة ومرتين وثلاثا، مع أن مكان وفناء وفصول المدرسة أسمعت من به صمم وهي تشير، بالتهمة، إلى من يستحقها.
بعض المواطنين يموتون في السيول والأمطار ويتحملون وحدهم مسؤولية أنفسهم، لكن بعضهم يكون ضحية لهؤلاء الذين يزعمون أنهم يعملون وفق التوجيهات!
إن التأكيدات على متانة سد وادي بيش لا تكفي لإزالة مخاوف القرى التي يجري بينها، فأهلها لا يعرفون ما الغرض من السد أصلا، هل هو لإفادتهم منه أم هو لكفّ الماء عن حقولهم. من أبسط حقوقهم أن يمر بهم الوزير المسؤول ويتكلم معهم، فهم، جريا على العادة، لا يثقون بكلام المسؤولين المحليين، ولا يوجد في تجاربهم، ما يغريهم بالثقة.
أغلب مناطق المملكة في مواسم السيول تستحق أن يزورها كل الوزراء المعنيين، ليقفوا بأنفسهم على الواقع بدل التقارير التي نعيش نتائجها كل موسم. ما عليهم لو مرّوا يوما واحدا واصطحبوا معهم مهندسين مخلصين وتنقلوا بسياراتهم على الطرق وسجلوا ملاحظاتهم. يوما واحدا بليله ونهاره سيتأكدون هل هذه الخدمات هي فعلا وفق التوجيهات العليا الرشيدة أم أنها ضرر على المواطن والأرض معا؟
ونحن على أبواب التحول الوطني فإننا نأمل ألا نخسر في المشروع الواحد مرتين وثلاثا وأربعا كما يحدث الآن، وألا نرى المياه بدل الطلاب في طابور الصباح، وألا نرى الشيولات تجرف الماء من الساحات وألا نرى الوايتات تشفط المياه من الشوارع.
كان أحد أصحابي المبتدئين، مثلي، في الزراعة قد بدأ، قبل شهر، بشتل التين في مزرعته بوادي جيزان ووعدني بألف شتلة لنجرب حظنا فيها الموسم القادم، زرته في بداية الأسبوع لأطمئن على عمله، ثم غادرته نصف الليل وهو يسوق ماشيته (20) رأسا من الغنم من مأواها إلى مكان مرتفع تحسبا للسيول، عدت إليه قبل ليلتين فوجدت السيل دخل مزرعته من الجنوب والشرق والشمال، سلمت الماشية لكن شتلات التين راحت.
هناك خسائر ستتكبدها خزينة الدولة للتعويض وترميم نتائج إهمال المهملين، وهناك خسائر أرواح مواطنين وممتلكات آخرين، لكن خسارتي وصاحبي شتلات التين الذي نحلم به هي خسارة أيضا.
أليس عظيما أن يخسر مواطن واحد حلمه؟!