(تنعش الذاكرة وتطلق الإحساس نحو كل شيء)، إنها الكائن الوحيد كما يبدو الذي يعشق (البومة) إلى درجة الجنون، والتي تصر على أن البومة تتشاءم من البشر المقنعين، رأت ذات يوم رجلا يأكل لحم أخيه ليلا، ثم يترأس جمعية (النباتيين) نهارا، وأبصرت تاجر سلاح يبيعه مساء ويخرج على رأس مظاهرة (اللاعنف) صباحا، تدعي بأنها ليست حزينة لأنها حزن العالم كله، ولأن في صدرها وطنا يبكي، تقول بأنها في بلاط (الورقة) تتحول إلى نملة ضالة، كتبوا على جواز سفرها وإلى جانب عبارة (العلامة الفارقة) عبارة (عاشقة)، تقدم نفسها للآخرين بأنها بومة شامية غريبة الأطوار تقطن الدهشة، أوصت عند موتها وهي تقترب من (الثمانين) بأن لا (توسخوا الأشجار بالبكاء، دعوني أمضي بهدوء قلم همس أسراره حتى نقطة الحبر الأخيرة فيه، حين أموت اكتبوا على قبري: هنا ترقد غلطة مطبعية، لم تسقط سهوا، بل سقطت صحوا، وكانت أكثر صدقا من بقية السطور، حين أموت انقشوا على قبري رسم بومة، ولا تكتبوا اسمي على شاهدة قبري، ولكن سطروا حكاية حبي وانقشوا: هنا ترقد امرأة عشقت ورقة وماتت غرقا داخل محبرة)، يقول الراحل الكبير (غازي القصيبي):(رأيت حبرا يتحول إلى بحر، وأصابع تتحول إلى قوس قزح، وأحزانا إلى عصافير، وقلما إلى غصن زيتون، وورقة إلى فضاء، وجسدا إلى سحابة، ورأيت داخل القلب قرى متوجة بالقرميد الأحمر تقطنها عصافير الذكريات، وفراشاتها الذهبية، أين رأيت هذه العجائب كلها؟ رأيتها في كتاب (عاشقة في محبرة) واسم العاشقة (غادة السمان) أديبة استثنائية ملأت الدنيا وشغلت الناس، قال عنها أحدهم: (هي فيروز الكتابة العربية) سألها الأديب (عذاب الركابي)، ماذا تعني لها الكتابة؟ فقالت: (اقتراف الكتابة يلذ لي وإن كنت لا أجهل أن كل أديب صادق يحفر قبره بمعول قلمه، لو لم أكتب لازددت تعبا، الكتابة هي الموت اليومي الذي يجعلنا أحياء، الكتابة حرفة المجانين السريين الذين يبدون من الخارج على درجة كبيرة من العقل، وهم يتسترون على مجنونهم الذي سجنوه في قاعهم، أكتب لأنني أشتعل حياة، أكتب كمحاولة طفولية لتبديل عالم أرفض معظمه، أكتب صرخة يائسة ولكن ضد اليأس، ولأنني لا أصلح لشيء آخر، لا تسألني لماذا أكتب فقد فات زمن تصحيح (مساري)، إنني متورطة بالحرف، وقد أنجبت (خمسين) كتابا حتى الآن، ترجم بعضها إلى 81 لغة، وقعت في الكتابة ولا نجاة لي، وها أنا أرتجف ريشة في مهب الجنون الملقب كتابة، لم أعد أذكر كيف ولماذا اقترفت ذلك، ولم أعد أذكر درب العودة، نسيت كيف بدأ الجنون كعاشقة في قصة حب مليئة باليأس المشع والأمل الخائب الجميل الذي يقودنا إلى سرير الأبجدية، الكلمة مؤامرة بناء لا تخريب).