طريق الحرير الصيني الذي يرجع تاريخه إلى ما قبل 3000 عام قبل الميلاد عبارة عن مجموعة من الطرق المترابطة التي تصل ما بين الصين وكل العالم، وكان أحد أهم هذه الطرق يمر عبر بلاد ما بين النهرين ودمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال إفريقيا، إلا أن هذا الطريق تعثر لعدة أسباب خلال العقود الماضية، من أهم العثرات التي واجهها هذا الطريق هو الاحتلال الإسرائيلي الذي قسم الدول العربية واستحل الموقع الذي يصل شرق الدول العربية بغربها وقارة آسيا بإفريقيا.
في سبتمبر من عام 2013 أعلن الرئيس الصيني مبادرة لإطلاق طريق الحرير الصيني الجديد، وفي أبريل من العام 2015 أي قبل سنة بالضبط من الآن أطلق الإعلام الصيني المركزي لأول مرة خريطة طريق الحرير الجديد رسميا تحت عنوان "بناء الازدهار والرخاء على الحزام والطريق"، وهو عبارة عن ثلاث طرق، أحدهم هو الطريق البري الذي ينطلق من الصين مرورا بباكستان حتى يصل لدول الخليج، ومن ثم للوصول إلى مصر ودول شمال إفريقيا، يتعثر بعقبة إسرائيل فيضطر أن يغير اتجاهه عبر بلاد الشام وأوروبا، ولتنفيذ هذا الطريق بادر الرئيس الصيني خلال زيارته لجمهورية مصر العربية الشقيقة في يناير من هذا العام لتوقيع اتفاقية مع الرئيس السيسي على انضمام مصر لشبكة طريق الحرير الذي تعتزم الصين إنشاؤه بتكلفة 47 مليار دولار، والذي يبدأ من الصين ويمر عبر تركستان وخراسان وكردستان وسورية وأوروبا إلى مصر ودول شمال إفريقيا، مؤملة أن ترفع الصين حجم استثماراتها مع الدول العربية من 240 مليار دولار إلى 600 مليار دولار، وتستهدف رفع رصيدها من الاستثمار غير المالي إلى أكثر من 60 مليار دولار، والوصول بحجم تجارتها مع إفريقيا إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2020.
لم يمض أكثر من 3 أشهر على توقيع الصين ومصر على اتفاقية طريق الحرير الصيني الذي يصل إلى مصر عبر قارة أوروبا حتى تفاجأت الصين بإعلان الملك سلمان والرئيس المصري السيسي بالنبأ السعيد إنشاء جسر الملك سلمان الذي يعني أيضا وبشكل مباشر لحكومة الصين أن طريق الحرير الصيني الذي وقعت مصر الاتفاقية عليه مع الصين سيختصر طريقه بشكل كبير لم تحلم به الصين يوما، وذلك لأن هذا الجسر لن يصل السعودية بمصر وشرق بلاد العرب بغربها وحسب، بل سيصل آسيا بإفريقيا ويختصر طريق الحرير الصيني الذي يستهدف مصر وشمال إفريقيا عبر أوروبا، ويلغي تأثير موقع إسرائيل التي قسمت بلاد العرب وأصبحت حجر عثرة في طرق التواصل العربي والآسيوي الإفريقي البري، ويفتح معبرا جديدا يمكن لحكومة الصين أن تبادر لتوقيع اتفاقيات جديدة مع كل من حكومتي المملكة العربية السعودية ومصر للسماح باستغلال جسر الملك سلمان كمعبر هام لطريق الحرير الصيني الجديد، ودعمه من خلال استخدام هذا الجسر لتحقيق أهدافه التي رسمها.
جسر الملك سلمان كان مجرد حلم للشعبين السعودي والمصري بل والشعب العربي، وسيسمح بعبور السيارات والحافلات والشاحنات، وسيحوي سكة قطار لنقل البضائع، وأجزم أن الصين لن تفلت هذه الفرصة العظيمة من يديها، وبمجرد إعلان الجسر الذي سيوفر الوقت في نقل البضائع من أيام عديدة عبر البحر إلى 20 دقيقة فقط عبر قطار البضائع يعني أن الصين عثرت على كنز ثمين وفرصة تاريخية لإحياء طريق الحرير، ويعني في الوقت ذاته ضربة لإستراتيجية موقع الاحتلال الإسرائيلي الذي كانت تستغله خلال السنوات الأخيرة لعرقلة المصالح العربية الاقتصادية والسياسية.
إقامة جسر الملك سلمان كانت مزعجة لبعض الدول -مثل إيران وإسرائيل- التي تخشى توحد العرب، ويثير استياءها كل ما من شأنه تقوية روابطهم واقتصادهم وتواصلهم، وهذا مؤشر كبير على أن السعودية ومصر تسيران في الطريق الصحيح، وفي ذات الوقت كان إعلان الجسر نبأ سعيداً لبعض الدول وأهمها جهورية الصين الشعبية التي تسعى بكل طاقتها وإمكانياتها وثقلها الصناعي والاقتصادي لإحياء طريق الحرير من جديد، وترى أن جسر الملك سلمان منفذ هام وإستراتيجي لتحقيق خططها في تنفيذ مشروعها التاريخي العملاق.