انتهت أمس، 29 أبريل، المرحلة الثانية من انتخابات مجلس الشورى الإيراني بعد أن حقّق معسكر روحاني رفسنجاني تقدماً ملحوظاً في المرحلة الأولى من الانتخابات، بالإضافة إلى أرجحيّتهم في انتخابات مجلس الخبراء الذي ينتخب مرشد إيران، وهذه الانتخابات هي بمثابة استفتاء عام على الاتفاق الإيراني الدولي حول مستقبل الدولة الإيرانية وانضباطها في النظام العالمي العام.
ليس لدينا الكثير من المعطيات عن حقيقة مكوّنات النظام الإيراني الغامض والمعقد، إلا أنّ الواضح هو أنّ على إيران الآن أن تختار بين الدولة والثورة، وبين الاستقرار أو الفوضى، وبين حسن الجوار أو سوء الجوار، بين التقدم والازدهار أو النزاعات والتضحيات، وأنّ ما كان متاحا بعد سقوط بغداد 2003 لم يعد متاحا الآن، وخصوصاً بعد سقوط الموصل بيد داعش وأكثر من نصف العراق من بين أيدي أميركا وإيران.
هناك الكثير من التساؤلات عن الأسباب التي جعلت أميركا تكتفي بتحرير الكويت وحصار العراق بالعقوبات عام 1991، في حين أنّه كان سقوط بغداد متاحا إبان عاصفة الصحراء وكان العرب آنذاك قادرين على إعادة إنتاج عراق موحد وقوي وبعيدا عن إيران، وهنا تؤكّد العديد من المصادر أنّ سبب عدم سقوط بغداد آنذاك كان تلبية لرغبة إسرائيل وإيران كي يتفكك العراق بالحصار والعقوبات، وهذا ما حدث بين عامي 1991-2003 عندما دخلت إيران مع القوات الأميركية إلى بغداد.
انتُخب الرئيس روحاني في العام 2013 قبل عام من سقوط نصف العراق في يد الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني في يوليو 2014، مما يعني أنّ الداخل الإيراني انتخب ضد سياسات الحرس الذي كان يحكم إيران على مدى 8 سنوات مع الرئيس أحمدي نجاد، الذي قمع الثورة الخضراء في عام 2009 الرافضة لتزوير الانتخابات الثانية لأحمدي نجاد في مواجهة مير حسين موسوي الذي لا يزال حتى الآن تحت الإقامة الجبرية.
الانتخابات التي انتهت بالأمس جرت على أنقاض الهزائم الخارجية للحرس الإيراني من العراق إلى اليمن إلى الاستعانة بالروس في سورية للحفاظ على ماء الوجه، بالإضافة إلى خسارة التفوق الأخلاقي في مسألة المقاومة مع إسرائيل والتحول إلى ميليشيات تعيش على نزاعات الإخوة والجيران، لذلك سيكون لنتائج الانتخابات اليوم أو غداً معان كثيرة ستُحدد مسار إيران في السنوات القادمة في الداخل الإيراني والجوار العربي والعالم.
اليوم السبت سيقدم رئيس وزراء العراق العبادي بقية تشكيلته الحكومية إلى البرلمان، أي بالتزامن مع انتهاء الانتخابات الإيرانية لأنه يعلم جيداً أنّ ما جرى في بغداد خلال الأسابيع الماضية كان بسبب نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات الإيرانية التي أعطت معسكر روحاني رفسنجاني أكثرية أولية، ما جعل العراق ساحة النزاع الحقيقية على المرحلة الثانية من الانتخابات الإيرانية، ولهذه الأسباب جاء توسط حسن نصر الله بين العراقيين لدعم الحرس الثوري في إيران وتخفيف الضغط على قاسم سليماني عبر المالكي، شريكه في ضياع وسرقة العراق.
أصبح واضحاً الآن أن الميادين التي امتلأت في ساحات بغداد وغير بغداد كانت مع روحاني والعبادي وضد المالكي وقاسم سليماني، وهي ليست مسألة إصلاحات وتغير حكومات، إنّما هي مرآة لما يحدث في طهران بين مكوّنات النظام الحاكم والمتدخل هنا وهناك، وعلينا منذ الآن أن نتعمّق في المشهد العراقي إذا أردنا أن نعرف ماذا يدور في طهران، إنّ ما كان يدور في بغداد في الأسابيع الماضية هو نزاع على بغداد بين إيران وإيران.