بعد إعلان رؤية 2030، بل وقبلها، انشغل الناس بتحليلها وحضور الأفكار الصانعة للمستقبل الآمن بإذن الله؛ وكذلك حضور شخصية الأمير محمد بن سلمان، هذا الحضور الذي لفت الأنظار لطريقته التلقائية وعمق رؤيته الخاصة، وبراعته في الرد على الأسئلة؛ إضافة إلى تميزه حتى في نقد الذات، كما أن لغة ولي ولي العهد لم تكن للأنا فيها ظهور، بل كانت تتكلم بضمير "نحن" الذي يشملنا معا.
غايتي من هذا المدخل، الحديث عن فكرة مهمة انطلاقا مما يدور هذه الأيام وهي: ما الذي يصنع الوعي ومن يزيفه؟!
بظني أن الصدق مع النفس أولا صفة من الصفات الشخصية التي يتميز بها الإنسان وتدعمها التربية، وهذه أهم صفة من صفات النجاح، بل لا أظن رجولة رجل تكتمل لو افتقد هذه الميزة، لأن الصادق يخدم نفسه أولا.
الوعي يستلزم صدقا، وأيضا قدرة على النظر إلى الأمور، ومقارنة الذات بالآخر مقارنة تقود للبناء لا للإحباط.
تحتاج الأوطان إلى هذه الصفات، فقد مللنا من ادعاء الكمال وتبرير الأخطاء والدفاع عنها، حتى الأخطاء المؤدية إلى الموت نجد من يبرر حدوثها بنسبتها إلى القضاء والقدر، وتناسي الإهمال أو العدوان المؤدي إليه، بل الأدهى من قد يتعاطف مع القاتل لو حوكم أو حبس من باب أنه أخطأ لا أنه أجرم!
نقطة ثالثة في ظني يحتاج إليها كل من تولى مسؤولية الفعل أو القول، وهي مراعاة وقع الكلمات على الآخرين؛ مثلا لذلك تصريحات الثري دونالد ترامب مرشح الرئاسة الأميركية العنصرية، كان لها وقع على المسلمين أشد من وقع صواريخ رؤساء قبله، لسبب بسيط أن الكلمة أذاها يتعدى فيعبر المحيطات، وقد يبقى أجيالا!
عندما نصدم بتصريح يحبط المنتظرين لخيارات السكن الممكنة، لا تستغربوا أن يثور الشارع ويضج؛ لكن الغريب أن يعلن القائل أنه سيقاضي المهاجمين له، ولا يمكن أن نتفق مع المهاجمين الشرسين، لكن أيضا لا ننسى أن كلامه تسبب في أذى نفسي كان يمكن تجنبه بسهولة لو كان يعي معاناة كثيرين يحلمون بامتلاك سكن لائق، والأذى هنا لا يختلف عن الأذى الذي أحدثه ترامب، الفرق أن مرشح الرئاسة يبحث عن تأييد العنصريين، وهذا الرجل نسي أنه ليس مرشحا انتخابيا، ولن يكسب إلا الأصوات التي تطالب بإقالته أو إزالته، وحدث!
الغريب، أننا أيضا لا نملك ثقافة الاعتذار، فزلة اللسان تكون مقبولة حين نعتذر، لكن من يرى أنه على حق حتى في أخطائه، لا يعي قيمة الاعتذار.
قوة القول تنبع من إنسانية تنظر إلى الآخر من زاوية نظرها إلى النفس؛ لو فكر أي إنسان قبل أن يتكلم بهذه الطريقة، أفلحنا كبشر وتجنبنا كثيرا من العداء.
ما يحدث أخيرا من تصريحات ومواقف مستفزة متكررة، تسببت في إزاحة بعض المسؤولين، طال أو قصر بقاؤهم، هو نوع من المصادمة مع الواقع المختلف عن المعتاد. فالتواصل أصبح قدرا، بل حتى الملوك والرؤساء والقيادات أصبحت لهم حسابات يمكن للمواطن عرض ما يشاء دون وسيط أو انتظار، هذا الأمر صدم أصحاب الأبراج العاجية الذين يعتقدون أنهم وصلوا إلى القمة، ولم أر أقسى من الحرب التي تعلنها امرأة على امرأة، لأنها طالبت بحق للنساء، وفي فمي ماء كما يقال!
التصريح الذي يكتب أو يقال أو يعرض في تسجيل فيديو عرضه تاجر يهزأ بالشعب، أو ظهر في نقاش علني بمجلس الشورى، عرف للعامة حقيقة يواجه مجتمعا شابا يُحَاكِم ولا يُحَاكَم؛ ويسخر بكل وسيلة مما يشاء ومن يشاء من مخالفه، وأكبر مؤشر السخرية الرياضية بالفريق المنافس التي اتخذت شكل العداء والاستفزاز، حتى أصبحنا نرفع شعار لا للتعصب. شباب يصعب أن تخرس صوته المتعالي بالتهديد أو الوعيد فما الحل إذًا؟!
الحل في ظني، أن من يقف أمام المواطنين متحدثا باسمهم أو يوجه رسالة للشعب، لا بد أن يعي حسن اختيار الكلمات المناسبة التي لا تصادم آمالا، أو تقلل من شأن إنسان واحد، فضلا عن شعب كامل.
قوة القول هي التي حملت رئيسا ليحكم أميركا، شعار واحد أطلقه في ظروف مالية صعبة "نعم نستطيع"، وبقي لفترتين رئاسيتين، دعونا نكتفي بالقول إنها لم تكن جيدة بل على الأقل كارثية بالنسبة للعرب المسلمين الذين ينحدر منهم.
اللغة سلطة لا تقهر، رؤية تلون المستقبل بألوان مبهجة كانت، أو قصيدة تبكي أو تستنجد أو تمدح أو تهجو، أو عبارة مكللة بتاج الإنسانية.
كل إنسان تشغله معاناته الخاصة؛ سريرا شاغرا في مستشفى مزدحم، أو علاجا مكلفا، أو قطعة أرض، أو قرضا لمسكن الأحلام، أو حتى سداد ديون عجز عنها؛ لكن أصحاب القلوب العظيمة يتعاطفون مع كل معاناة الآخرين، وضيقوا النظرة ينظرون إلى زاوية معتمة.
خلاصة القول، إن هناك قوانين إنسانية وكونية تحكم كل إنسان، والأولى بذلك الذي يقوم على أو يمثل مطالب المواطن، رجلا كان أو امرأة، فما زالت أقوال العظماء تزداد خلودا، والمميز من يملك قولا يمكنه أن يتوج بتاج الخلود؟!