الكثير يتحدث عن المكاسب في هذه الحياة ماديا، وفي الحياة التالية روحيا، وتقريبا لا يمرعلينا يوم من دون أن نسمع أونقرأ أو نشاهد الخطب والمحاضرات، كل يقدم سحر الكلم حسب نوعية جمهوره ودرجة استيعابه، فتنهمر الكلمات من كل حدب وصوب، العذبة منها والثقيلة، السهلة منها والصعبة، في كل مكان ومن خلال أي وسيلة؛ في الصحف، في المؤتمرات، في ورش العمل، في المجالس، في المساجد وفي المدارس والجامعات، الكل منشغل في كيفية وماهية المكسب الحالي وعلى المدى البعيد.. ولكن، ماذا عن الخسارة؟ لماذا لا نرى الخسارة على أنها أيضا دروس في الحياة، أو بالأحرى، دروس في المكاسب؟! تعالوا معي في رحلة الخسارة، رحلة تتكرر فيها "الخسارة" ولكن لو تعمقنا في المعاني، وفهمنا المغزى من وراء التكرار، كما أدركنا أن بعض الكلمات تأخذ أكثر من معنى رغم أنها لا تحيد عن الهدف المقصود، من زرعها في فاتحة، أو قلب، أو نهاية كل جملة، سنجد بإذنه تعالى أنني لم أضع وقتكم معي اليوم، إذن لنحرر الفكر ونخرج من الصندوق لنرى ونركز معا.. وأعدكم بأنه إن لم تصل كل الرسالة فسوف يصل معظمها:
نخسر حين نغوص في آلام وقضايا المجتمع فقط من أجل أن نستخدم دماءهم حبرا لأقلامنا.. نخسر حين نتخذ ممن نحب مرساة، نلقيهم في أعماق البحار كي لا ننجرف نحن.. نخسر حين نأخذ ونأخذ دون أن نعطي، معتمدين على كرم وصبر الآخرين.. نخسر حين نقدم الثقة على الحذر.. نخسر حين يكون ربحنا على حساب قوت الآخرين.. نخسر حين ينسى الغني منا أن ما يمتلكه أمانة كما هو نعمة.. نخسر حين لا نسمح لمن ضل الطريق بالعودة.. نخسر حين نعطي الفرص تبعا لأهوائنا واختياراتنا لا الحاجة.. نخسر حين نتخلى عن الطفولة بداخلنا ونُسَلِّم للعجز والقهر.. نخسر حين نُضيّع سماد البذور في إصلاح القشور.. نخسر حين نركب عدسات الفساد فلا نعود نرى غيره... نخسر حين نتصرف وكأن العالم خلق لخدمتنا.. نخسر حين نستبدل اليوم بغد مجهول... نخسر حين نرضخ للشك ونتغاضى عن اليقين.. نخسر حين نركز على الإجابة ولا نسمع السؤال.. نخسر حين نترك الحظ يلعب بنا وعلينا، بيننا وعنا.. نخسر حين نجعل من الخسارة فشلا ونتوقف عن المحاولة... نخسر حين تكون المكاسب من خسارة الآخرين.. نخسر حين نرصد الخسائر وننسى النعم... نخسر حين نطلق اللسان ونسجن الحِكَم.. نخسر حين نُفضل معايير الخلق على عدل الخالق... نخسر حين نحسبها بالورقة والقلم وننسى كرم ورحمة من علم بالقلم... نخسر حين نُقَيّد النجاح بالخسارة... نخسر حين نذرف الدموع لمن لا يستحقها... نخسر حين نؤّمّن لمن يخون.. نخسر حين نظن ونعتقد ونتكاسل عن التأكد.. نخسر حين نظن أن النية الحسنة تكفي.. نخسر حين نخطئ ولا نعتذر.. نخسر حين نعيد تعريف القضايا لنتقبلها.. نخسر حين نسمح لظلام الجهل بأن يخيم على الأفئدة.. نخسر حين نعتقد أننا فوق أي خسارة... نخسر حين ننسى التعاطف.. نخسر حين نساند القوي ضد الضعيف.. نخسر حين يجف الحبر ويضيع القلم...نخسر حين تُباع الضمائر وتُشترى الذمم.. نخسر حين نتخلى عمن نحب من أجل من نكره ونهاب.. نخسر حين نبيع الغالي بالرخيص.. نخسر حين نتخلى عن كلمة حق في سبيل جُملة من المصالح.. نخسر حين نستبدل الأصالة بالتفاهة.. نخسر حين نسمح لأنفسنا بأن نكون السوط في يد جلاد... نخسر حين نرسم حدود حياتنا بين الأبيض والأسود.. نخسر حين نبحث عن الدواء ونتجاهل الداء.. نخسر حين نتكلم قبل أن نفكر.. نخسر حين نتقبل هزيمة لم نشارك فيها.. نخسر حين نؤمن أن كل ما يكسر كالزجاج؛ غير قابل للإصلاح.. نخسر حين نبيع مبادئنا في سبيل فهمنا الخاطئ لماهية التمدن.. نخسر حين لا نعرف أن نفرق بين اليسار واليمين في الفكر كما في الاتجاه.. نخسر حين يُغتال الفكر لتحيا العبثية... نخسر حين نتلاعب بمشاعر الآخرين.. نخسر حين نرى أنه لزاما علينا أن نطبل كلما سمعنا زمّاراً.. نخسر حين نخلط بين العدو والصديق.. نخسر حين نصدق بأن ماء النار دموع تُذرف لتطهيرنا.. نخسر حين نجعل صمتنا يشير إلى الاستكانة والتقبل.. نخسر حين نرضى بكلمة "مستحيل".. نخسر حين نجعل من اختلاف الآخر مجال فكاهة لتسليتنا.. نخسر حين نعتبر أن الندم يكفي.. نخسر حين ننظر دون أن نرى، ونسمع دون أن نصغي، نتكلم دون أن نتحدث.. نخسر حين نتنازل عما نستحقه من أجل من لا يستحقه.. نخسر حين نعتبر نجاح الغير فشلا لنا.. نخسر حين نستخف بعقول البشر.. نخسر حين نقرأ ما بين الأسطر وتحت الأسطر في حين لا نرى الأسطر.. نخسر حين ننتقد، لننقض ونفض، لا نُنقي لنرتقي.. نخسر حين نقدر ونتخاذل.. نخسر حين تضيع الأنفس وهي لا تدري أنها ضاعت.. نخسر حين نُفصّل أثوابنا ونجبر الغيرعلى ارتدائها.. نخسر حين نترك الغضب يسيطر على المنطق.. نخسر حين نترك الجهل يسلبنا الحُجة.. نخسر حين يقدم لنا الفأر على أنه أسد ونصدق.. نخسر حين نحرك الأفراد كأحجار شطرنج ولا نتعامل معهم كبشر.. نخسر حين نسمح بأن نُحشر في زاوية "إما مع أو ضد".. نخسر حين نسمح بأن تحول حدائقنا إلى مستقر لأوساخ الغير.. نخسر حين نلطخ سمعة الغير من أجل تلميع سمعتنا.. نخسر حين نصبح عبيد الهوى وغيرنا يختنق.. نخسر حين نجعل الغير ينظر إلى الأسفل لكي نصعد نحن إلى الأعلى.. نخسر حين ننبهر بالكلام المعقد لمجرد أننا لا نفهمه.. نخسر حين نبحث عن الإيمان فنجده عند الغير.. نخسر حين نصل إلى هنا.. ولا نعرف ماذا بعد!