"المملكة تعيش حالة إدمان نفطية عطلت تنمية القطاعات الأخرى"، بهذه الكلمات البسيطة في عدد كلماتها، العميقة في مضمونها ودلالاتها، بدأ ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مؤتمره الصحفي الذي ترقبه كل السعوديين وأعلن خلاله الخطوط العامة لرؤية 2030، التي تهدف إلى نقل اقتصاد المملكة ومجتمعها إلى آفاق أرحب، بعزيمة شابة ورؤية وثابة، تستشرف المستقبل، وتهدف إلى استغلال وتفعيل طاقات كامنة في هذه البلاد، قادرة على تحقيق مداخيل توازي ما يحققه النفط، إن لم تتجاوزه.
حبا الله هذه البلاد بنعم كثيرة، من بينها البترول، الذي كان له الفضل -بعد الله تعالى- في النهضة التي تحققت، والمرحلة التي وصلتها المملكة، ودخولها إلى قائمة أقوى 20 اقتصادا حول العالم، إلا أن التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم، وظهور ما بات يسمى بالاقتصاد المبني على ثورة المعلومات، تفترض علينا ألا نظل أسرى لمصدر دخل اقتصادي واحد، إذا ما توافرت مصادر أخرى، لا سيما إذا كان ذلك المصدر قابلا للنضوب. فالحكمة تقتضي تنويع الاقتصاد، فالمملكة ولله الحمد، قبلة المسلمين في جميع أنحاء العالم، الذين تهفو قلوبهم للتمتع برؤية الحرمين الشريفين، وزيارة الأماكن المقدسة، وأداء شعيرة العمرة، وفريضة الحج، وهذا المصدر سوف يظل مستمرا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، لذلك فإن إتاحة الفرصة لأكبر عدد من المسلمين لزيارة المملكة وازدهار السياحة الدينية أمر في غاية الأهمية، حيث تشير الرؤية إلى التخطيط لاستضافة 30 مليون معتمر سنويا، بدلا عن 8 ملايين معتمر، كما هو في الوقت الحالي.
وتبدو النظرة الاقتصادية الشاملة في ما ذكره الأمير الشاب، من إمكانية استغلال الأراضي الحكومية، لتحقيق مداخيل اقتصادية أخرى، إضافة إلى الاستفادة من ملايين الأيدي العاملة الوافدة التي تعمل في بلادنا، وفرض ضريبة دخل عليها، على غرار ما هو معمول به في كافة دول العالم، ونظير ذلك تقدم المملكة العديد من التسهيلات والخدمات لتلك العمالة، بما يعود بالمنفعة المشتركة على الجانبين، وهو ما لا يجعلها مجرد رسوم بلا مقابل. كذلك امتازت الرؤية بعدم الانغلاق، والرغبة في الاندماج في الاقتصاد العالمي، عبر خطوات مدروسة حذرة، دون تهور أو استعجال، وتجلى ذلك في طرح 5% من أسهم شركة أرامكو العملاقة للاكتتاب، على أن توجه قيمة العائدات لإنشاء أكبر صندوق سيادي في العالم، برأسمال يتجاوز تريليوني دولار، سوف يسيطر على أكثر من 10% من القدرة الاستثمارية في الكرة الأرضية، ويقدر حجم ممتلكاته بأكثر من 3% من الأصول العالمية.
وحاز الشباب على معظم بنود الرؤية، انطلاقا من أن أبرز ما تمتلكه المملكة من عناصر النمو الاقتصادي هو ثروتها البشرية الهائلة، فهي مجتمع شبابي بامتياز، يتطلع إلى الإسهام الإيجابي في تنمية بلاده وتطورها، لذلك جاءت الأفكار والخطط لتنمية هذه الثروة، وتسليحها بالعلم النافع وكافة ما يمكنها من المنافسة في سوق العمل، لذلك كانت الرؤية الواقعية تهدف إلى تقليل البطالة وسط الشباب من 11.6% إلى 7%. ولم تنس الخطة قطاع المرأة التي قال عنها الأمير إنها نصف المجتمع، مؤكدا العمل على رفع مشاركتها في سوق العمل من 22% إلى 30%. إضافة إلى ذلك يبرز الاهتمام بقضايا الصناعة والإسكان وغيرها من الأمور التي تمس عصب هموم المواطنين.
يتضح لي أن أبرز ما ميز هذه الرؤية هو واقعيتها الشديدة، وملامستها للحقائق على الأرض، دون تهويل أو تهوين، واعتمادها على عناصر حقيقية، تواكب المتاح، دون ركون لليأس أو المخاوف غير المبررة، كما أنها في ذات الوقت تعبر عن طموح بحد الفضاء، لا تحده حدود ولا تعيقه عوائق، ما دام يستند إلى أسس راسخة وإرادة صلبة وعزيمة لا تلين.
كذلك جاءت الخطة بهذه الصورة، لأن غالبيتها صيغت بأيد سعودية ذات كفاءة، حيث اجتمع خبراء ومثقفون من كافة المشارب والتخصصات، ومارسوا عصفا ذهنيا مكثفا على مدى الأشهر الماضية، وفكروا بأصوات مسموعة، وجمعت عصارة آرائهم إلى جهات مختصة، قامت بترتيبها واستخلاص نتائجها، مع عدم إغفال دور بيوت الخبرة العالمية المتخصصة، لذلك جاءت هذه الرؤية المتميزة، التي أجمع كل من اطلع عليها على الإشادة بها والتنويه بتفردها. ومع أنه ليس عيبا أن نستفيد من تجارب الآخرين، وليست منقصة أن نعتبر بها، إلا أن واقعنا السعودي ربما تكون له سماته وخصائصه، لذلك جاءت تلك الرؤية معبرة عنه، دون أن نمارس مذمة الاستلاب، ونركن إلى ما فعله غيرنا ونأتي به لنقولبه في قوالب جامدة، دون أن نضيف عليه بصمتنا ونضفي عليه عبقرية أبناء هذه البلاد.
ومن مزايا الرؤية أيضا أنها ليست مجرد خطة للنهوض الاقتصادي، بل للنهوض بالإنسان أولا، والتعويل على ما يمكن أن ينجزه، إذا ما وجد فرصة مناسبة ومناخات مواتية، لذلك كانت أغلب الأفكار تتحدث عن المكاسب التي يمكن تحقيقها عبر الإنسان، قبل المكان، واهتمت بالاستثمار في الشباب، وتسليحهم بما يساعدهم على التحول إلى عناصر إنتاج وإبداع،
أما أبرز ضمانات النجاح، وأسبابه، فهو ميل الأمير محمد إلى الشفافية والوضوح، واعتماده على الكلمات ذات المدلولات المحددة والكلمات التي لا مست شعبه، لينتقي العبارات التي تؤكد ميله لوضع الأمور في نصابها، وتسمية الأشياء بمسمياتها، وإزالة حالة الضبابية والرمادية، لذلك اتجه إلى إنشاء مطبخ قانوني ضم فقهاء القانون وخبراء التشريع لتهيئة البيئة التنظيمية لمشروع 2030، من خلال مراجعة كثير من الاتفاقيات والعقود، وغربلتها، وتصحيح ما رافق الوقت من خطأ أو إخفاق. وهو ما يعوّل عليه لتحقيق أهداف أسمى وغايات أنبل، لبدء مرحلة جديدة، شعارها الوطن أولا، ومصلحة الجميع قبل كل مصالح ذاتية أو شخصية.