طالعتنا الصحف الإلكترونية بخبر إرث زوجة عربية من زوجها مبلغا يفوق 60 مليون ريال لزواج لم يدم سوى بضعة أسابيع. ومثله قبل سنوات لخادمة إندونيسية ورثت 20 مليون ريال بعد أن توفي زوجها الذي كان كفيلها. ولا شك أن كثيرا ممن يقرأ هذه الأخبار يشعر بشيء من الامتعاض، وأن هناك خطأ ما، وبالفعل فهناك خطأ في فقه المواريث لدينا، لأننا أهملنا تبعا للقدماء قوله تعالى: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين".

فهذه الآية، ومن خلال الوصية، تضبط من يستحق مالا أكثر أو مالا أقل من الورثة، لأن آيات المواريث موضوعة للحالات الاعتيادية وليست وفق الاستحقاق الفعلي، وبالتالي فالزوج في مثل هذه الحالات يتعين عليه أن يوصي بنصيب أكبر للزوجة الأولى، والتي قد تكون أمضت معه 40 عاما مقارنة بمن لها أسبوع أو أسبوعان، لكن ماذا فعل القدماء بهذه الآية.

أتى القدماء إلى رواية منسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام تقول: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"، ثم جعلوها ناسخة للآية، وفضلا عن بطلان فكرة نسخ القرآن وآية محكمة منه برواية ظنية الثبوت، إلا أنه وفوق هذا أيضا فإننا سندخل الإسلام في تناقضات فجة، فهذه الرواية تمنع الشخص أن يوصي لوارث بما يستحقه، فلو كان لشخص ابنان أحدهما غني والآخر فقير فإنهما سيتساويان في التركة، لكن مع الوصية فإنه سيعطي كلا منهما ما يستحقه، والابن البار سيأخذ نفس نصيب الابن العاق، والصالح مثل الفاجر، بل البنت البارة تأخذ نصف الابن العاق، والفقيرة تأخذ نصف أخيها الغني، والعم الصالح والذي قد يكون هو من ربّى صاحب المال منذ صغره، يحجبه ابن أخيه المعادي له حجبا كاملا، فكل هذا يجعل الشريعة متناقضة، والتناقض هو أسوأ ما تتعرض له الأديان، وهو ما يفت في عضدها ويدمرها.

فدفع التناقض عن شريعتنا قاعدة ثابتة أكثر من ثبوت الرواية نفسها، واعتبار اتساق الأحكام أعظم من اعتبار الروايات وقبولها، إضافة إلى إزالة تلك الحملة التي تشن على الإسلام من أنه ظلم المرأة في الميراث، فهل يترك كل هذا لأجل رواية؟

ومن كان مصرا عليها، فيمكن تأويلها بكل سهولة فنقول أن معنى "لا وصية لوارث" أي وارث غني أو غير مستحق، مثلما تأولنا جميعا حديث "لا ميراث لقاتل" بأنه المعتدي وليس القاتل خطأ، فما الفرق بينهما؟ بل إن مسألتنا أولى لأن ميراث القاتل الخطأ به حرمان، أما مسألتنا فبها حرمان وتناقض، بل ما معنى قوله تعالى بعد كل آية مواريث: "من بعد وصية يوصي بها أو دين" إلا الوصية للوارث، فلو كان المقصود بها الوصية لغير الوارث لما أدخلت بداخل قسمة المواريث نفسها، مما يدل على أنها جزء من القسمة وحتى الدين يراد به الدين لأحد الورثة.

ففي مثل هذه الحالات التي ورثت بها الزوجة الجديدة لا بد للمورث أن يوصي بنصيب أكبر لزوجته الأولى، حسبما يراه من خلال المدة والحالة، وما بقي يقسم بين الورثة بحسب قسمة المواريث المعروفة لتحصل على نصيبها من الوصية ومن الإرث، وفي حال إجحاف الموصي بحق أحد الورثة إجحافا بينا واضحا، فيمكن اللجوء إلى القضاء أثناء حياته أو بعد وفاته لإبطالها، لكن مع وضوح عدم الأحقية كما في حالة الزوجة الثانية موضوع المقال، فإن الوصية تنفذ.

إن ما تنوي به وزارة العدل من تدوين الأحكام القضائية يحتم عليها النظر التجديدي بنفس هذه الطريقة، لا أن تكون معيدة لتصنيف الكتب القديمة، وأن تراعي مثل هذه الأحوال، وأقصد الخروج من التناقض واعتبار المصلحة، واعتبار الإضافة إلى العلم والتجديد، فهذا ما ننتظره من التدوين.