يمثل النشاط الصناعي في أي دولة مصدرا رئيسا من مصاد الدخل المحلي، ورافدا من روافد التنمية الوطنية. وقد شهدت نهاية الألفية الماضية تحول بعض الدول الشرق أوسطية إلى دول صناعية، حتى عدّ بعضها منافسا قويا للمدن الصناعية الكبرى. ولعل في تجربة تركيا ما يغني عن استعراض التجارب الأخرى، فتركيا التي كانت تعاني من مشكلات كبيرة؛ مثل البطالة، وانخفاض مستوى الدخل، وتفاوت الطبقات في النسيج الاجتماعي، استطاعت باستخدام نظرية "تصفير المشكلات" التي كان ينظّر لها الأستاذ الجامعي في كلية العلوم السياسية "أحمد داود أوغلو"، أن تضع تلك المشكلات في الدرجة صفر، وتمنعها من التفاقم والتأزم.

وقد كان مقترح أوغلو، الذي صار فيما بعد مستشارا للرئيس التركي رجب طيب إردوغان ثم رئيسا للوزراء، ينص على ضرورة تحول تركيا إلى بلد صناعي؛ بحيث يسهم افتتاح المصانع في توفير فرص التوظيف للعاطلين، وفي نمو الاقتصاد الوطني، مما يقضي على مشكلات البلاد.

وبالفعل استطاعت تركيا أن تتربع على عرش الدول الصناعية في الشرق الأوسط؛ حتى ذهب بعض الخبراء إلى أنها قد احتكرت بعض الصناعات، وصارت مستثمرا أولا فيها.

تلك التجربة المشجعة لتركيا ذكرتني بمشروع المدن الصناعية الكبرى، والذي طرحته القيادة الحكيمة في عهد خادم الحرمين الشريفين؛ الملك فهد بن عبدالعزيز "يرحمه الله"، وأغرتني باقتراح إعادة النظر في ذاك المشروع الحلم، الذي لا شك أن نتائجه على الاقتصاد الوطني ستكون محورية ومؤثرة.

لقد تبين، خلال تجربة المملكة الطويلة مع المعاهد المهنية، أن المجتمع ما زال يتحفظ على بعض الحرف، مما يجعل الارتقاء بها أولوية حتمية؛ فحين تمنح الكليات الصناعية والزراعية والتجارية درجة البكالوريوس "أسوة بكليات المعلمين"، ويتاح لخريجيها المجال لإكمال الدراسات العليا داخل المملكة، أو بنظام الابتعاث الخارجي، وحين تتحول تلك المعاهد إلى كليات "أسوة بالتمريض"، ستتضاعف نسب الراغبين في الالتحاق بها، وهذا من شأنه أن يتيح المجال لإنشاء تلك المدن الصناعية التي ستحد من مشكلات اقتصادية كبيرة، أهمها البطالة، والاعتماد على السلع الأجنبية، وغلاء الأسعار.

لقد حاولت الدولة مشكورة النهوض بتلك القطاعات المهنية، من خلال خطط جادة وبرامج مميزة، لكن النتائج التي انتهى إليها وضع المعاهد لم يكن مما يرتقي إلى تطلعات القيادة والشعب، مما يجعل مراجعة تلك النتائج ضرورة حتمية؛ فالمشاريع الكبيرة للأمم تحتاج إلى مراجعة دائمة، وهذا يجعلنا أمام مسؤولية كبيرة وتحدٍّ خطير.

لا بد أن نتحول إلى بلد صناعي، وهذا جزء من التحول الوطني الذي تسعى إليه القيادة الحكيمة في المملكة، وهو ما أكد عليه ودعا إليه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية، أثناء حديثه عن الصناعات العسكرية، وهو ما شجعني على طرح هذا المقترح.

هذا المقترح في حال قبوله، سيشكل نقلة محورية في الاقتصاد السعودي، هذا فضلا عن أن تبني هذه الفكرة سيحتاج إلى إرهاصات سابقة مؤثرة ومثرية، منها استحداث الكليات، وتحديد الخطط والأهداف التعليمية المناسبة، ووضع المقررات الدراسية، واستقطاب الأساتذة، ثم فتح المسارات التخصصية للراغبين والراغبات، وهذا كله يفتح أبواب التوظيف ويسهم -أيضا- في معالجة مشكلات البطالة والفقر، فضلا عن أنه يسهم في زيادة الوعي المجتمعي بأهمية تلك الحرف، ويعزز الشعور بقيمة العمل لدى أصحابها.