اليوم العالمي لحرية الصحافة حدث عالمي في 3 مايو من كل عام. وعالميته متحققة في صفته المؤسسية برعاية اليونيسكو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، ومتحققة في دلالته الحقوقية الإنسانية. ومقتضى هذه الصيغة للحدث ليس التمجيد للصحافة بالمطلق وإنما بقيد إضافتها إلى الحرية، بحيث يدلل على أهمية الحرية وضرورتها في حقل مهني وخدمي إعلامي هو الصحافة، وهذا مقتضى يستلزم بقدر ما يحمل من حفاوة وتمجيد تسليماً بأهمية الصحافة وعظم وظيفتها الممكنة في المجتمعات، وتسليماً – طبعاً- بقيمة الحرية وضرورتها الإنسانية. ولذلك فإن هذا الحدث مناسبة للدفع بحرية الصحافة قُدماً، ولكن بتحديد مفاهيمي وقانوني لهذه الحرية، تنتج عنه معيارية محددة سواء بتعيين المبادئ الأساسية لحرية الصحافة التي تكون موضوعاً للحفاوة، أو بتقييم أوضاع حرية الصحافة في العالم بحسب تلك المبادئ، على النحو الذي يتمخض سنوياً عن قائمة بدول العالم مرتبة من الأعلى في حرية الصحافة إلى الأدنى. إضافة إلى قوائم إشادة بالصحفيين الذين فقدوا أرواحهم أو تعرضوا للأذى أثناء أداء واجبهم.

ليس اللافت للنظر أن تتصدَّر أوروبا إجمالاً أقاليم العالم في مراتب حرية الصحافة، ولا أن تتأخر الدول العربية مجتمعة عن أقاليم العالم في هذه المراتب. بل اللافت ألا تتساوى الدول الأوروبية والغربية في هذه المراتب، وأن تأخذ أقواها وأعرقها ديموقراطية وثقافة وانفتاحا مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وروسيا مراتب غير متقدمة. وهذا يعني – فيما يعني- أن حرية الصحافة ليست معنى جاهزاً وفكرة مسبقة خارج التطبيق والممارسة؛ فإذا تصورنا سلفاً مثل هذا المعنى لحرية الصحافة فهذا يعني أنها لن توجد، وما هو موجود في هذا القياس هو "ممارسة" والأحرى أن نسميها "نضالاً" يأخذ لونه ودرجته بحسب بيئة العمل الصحفي ومناخه الاجتماعي والثقافي في كل بلد. بل إن نوع الممارسة ودرجتها يختلفان في البلد الواحد من وقت لآخر، كما يختلفان بين بلد وآخر. والأهمية التي تترتب على ذلك تتعلق بتصور الصحفي لدوره ومفهومه للصحافة، وتصور المجتمعات للصحافة والصحفيين.

إن الصحفي دلالة تصنيفية في الثقافة الاجتماعية: دلالة تصنيفية على محور العلاقة الطبقية بين خاصة وعامة، أو مثقفين وجمهور، أو نخبة ودهماء. وعلى محور العلاقة السلطوية بين الحكومة والمواطنين، أو رب العمل وعملائه، أو الحزب ومعارضته. فالصحفي مصنَّف في خانة الخاصة والنخبة والمثقفين وليس في خانة العامة والجمهور والدهماء، وفي قبيل الحكومة ورب العمل والموالين للحزب وليس في ساحة المواطنين، أو زبائن التاجر، أو معارضي الحزب... إلخ. وهذا تصور لا يفهمه عامة الناس عن الصحفي فحسب، بل يفهمه الصحفي عن نفسه، فإن كان هناك فهم مغاير لذلك فإنه لا يخرج عن التصنيف أيضاً باستبدال الخانة الثانية بالأولى؛ فيصبح الصحفي مع العامة والجمهور وفي صف المواطنين والمعارضين.. إلخ. وستختلف القيمة سلباً وإيجاباً بحسب زاوية الرؤية، فالذين يرون في موقع الصحفي إلى جانب الخاصة أو الحكومة أو الرأسماليين أو الحزبيين صفة سلبية له ووجوداً مستعبداً وتبعياً فإنهم يرون في التزامه صف العامة وقيامه في مقام المواطنين والمعارضين، صفة إيجابية ووجوداً حُراً ومستقلاً ونافعاً للعموم، والعكس بالعكس.

هذا هو مفهوم الصحفي عن نفسه، ومفهوم الجماعة الثقافية له، إلى حد كبير في العالم العربي ودول العالم النامي على وجه الخصوص. فلا يُتصوَّر الصحفي إلا في حكم التابع والموالي والأجير والدعائي والمدافع والواعظ والمؤدلج... إلخ. أي أنه يشغل وجوداً جزئياً بالقياس إلى الوجود الإنساني عموماً، أو إلى الوجود الوطني والاجتماعي عموماً في البلد الذي ينتمي إليه. والوجود الجزئي وجود منقوص ومحدود لا محالة. إنه النقيض من دلالة الوجود الحر على الاكتمال والاستقلال: الوجود المسؤول فردياً مسؤوليةً تحتكم إلى أخلاقية لا ترتهن إلا إلى الضمير المهني. وهذه المسؤولية التي تنشأ عنها صفة الحرية تَفْسُد حين يكون الصحفي (وجوداً أو تصوراً) فرداً ينتمي إلى طبقة النخبة المثقفة، أو محسوباً في وارد خدمة حزبية أو حكومية أو مالية، أو حتى في خدمة الجمهور وفي صف المعارضة. بل إنه –استتباعاً- يَفسُد بوصفه صحفياً أي تختل معياريته المهنية، ويغدو عمله الصحفي مغشوشاً ومزيّفاً وناقصاً وتحكمياً بمعنى أو آخر.

لا يمكن تصور مفهوم الصحفي بالمعنى المهني: المعنى الذي تتحقق به حريته ومسؤوليته، بحصره في زاوية الرؤية إلى "مع" أو "ضد" فقد يكون الصحفي في صف المعارضة وفي خدمة المواطنين ولا يدلل من موقعه هذا على حريته وعلى مهنيته. وأظن أن دغدغة مشاعر الجمهور والسعي وراء الإثارة وإرضاء الكثرة... أمثلة شائعة – في هذا الصدد- على الغش وفقدان المسؤولية الصحفية. وقد يدلل –بالعكس من ذلك- على حريته ومهنيته وهو يقدم عملاً صحفياً يخدم الحكومة ويفيدها، أو يفيد شركة أو مسؤولاً أو انتماء إيديولوجياً. لا يكون الصحفي –إذن- حُراً، وهو متمذهب أو مؤدلج أو منتفع، كما لا يكون حُراً وهو خائف أو مُهدَّد. وبالقدر نفسه تماماً لا يكون حراً وهو في موقع الوصاية على الناس والنصح لهم والتبشير أو التنفير، أي في موقع نخبوي أو إيديولوجي ونحوهما؛ لأن هذا الموقع موقع أحكام وتسييج ومعيارية، وهو لذلك أشبه بالسجن. موقع الصحفي بالأحرى هو موقع الكشف عن الحقائق والمعلومات ونقلها وتحليلها وتجليتها. إنه موقع عملي ومهني خارج أي حساب سلطوي، لا سيما اعتقاد الصحفي نفسه في سلطويته بوصفه شخصاً.

وقد نقول بضرورة المأسسة والتقنين الذي يمنع من تسويغ الصحافة الكذب والشخصنة والإيذاء بذريعة الحرية، ولكن الحرية نفسها لا تكون حرية حين تتعارض مع العقل والحس الأخلاقي.