في البداية أبارك لمعالي رئيس ديوان المراقبة العامة، الدكتور حسام العنقري الثقة الملكية الكريمة بتكليفه بمهمة رئاسة الديوان، وأدعو له بالتوفيق والنجاح في تحقيق تطلعات القيادة الكريمة، والوصول بالمنظومة الرقابية إلى تحقيق مبدأي المساءلة والشفافية.
معالي الرئيس: يعد ديوان المراقبة العامة في المملكة الجهاز الأعلى للرقابة في الدولة، ولا تقتصر رقابته على الحسابات والأمور المالية كما يعتقد البعض، بل تمتد إلى الرقابة على أداء الأجهزة الحكومية من خلال تقييم مدى كفاء وفعالية الجهات الحكومية في تحقيق أهدافها وممارسة اختصاصاتها، وتقييم أداء أنشطتها وبرامجها ومشاريعها التنموية، وللأسف هناك قلة وعي في كثير من فئات المجتمع بالدور الريادي الذي يقوم به الديوان في تحقيق المساءلة والشفافية، الأمر الذي أثر سلباً في مدى استخدام التقارير الرقابية كأداة لتحقيق المساءلة!
إن من أهم التحديات التي تواجه ديوان المراقبة كيفية تعزيز فهم أفضل لدوره ومهامه في المجتمع، بحيث تكون تقاريره ذات شفافية عالية ومتاحة للجميع حتى تؤدي دوراً مهماً في تعزيز الشفافية والمساءلة في الإدارة الحكومية، كونها أداة فاعلة للحد من ظاهرة التجاوز على المال العام، وتفعيلها عموماً يؤدي إلى التصدي لعمليتي هدر الأموال العامة وسرقتها، بالإضافة إلى التصدي لأوجه الفساد المالي والإداري، بما يعزز ثقة المواطن وتفاعله وإسهامه في التصدي لأشكال الفساد ومكافحته.
معالي الرئيس؛ ما زال الديوان يطبق المفهوم الضيق للرقابة المالية التقليدية التي تهتم بمراقبة المشروعية وضبط المستندات الحسابية من خلال القبض والصرف، وهذا المفهوم قد تراجع في العقود الثلاثة الأخيرة أمام مفهوم الرقابة المهنية والمعاصرة التي تعتمد على المعايير المهنية للمراجعة، ولم تعد مجرد تدقيق مستندي قائم على الضياع والهدر في المال العام أكبر من تحتمله موازنات الدول النامية مهما كانت غنية.
هذا بالإضافة إلى أن الرقابة لا تزال تمارس من بيروقراطيات تنطلق من عقليات قديمة في النهج الإداري، فهي تهتم بالمظاهر الشكلية الإجرائية، وما تقوم به في واقع الأمر هو عمليات ترميم وتجميل واجتهاد في اصطياد الأخطاء الصغيرة، وممارسة العمل بصورة تسلطية تفتيشية، وليس بصورة تصحيحية علاجية، مما يجعل الجهات الحكومية تقوم بمحاولة التضليل وإخفاء ما يمكن إخفاؤه من البيانات والمعلومات من أن تصل إلى الرقابة.
وليس هذا وحسب، بل قد ينشأ شعور لدى موظفي الرقابة بعدم جدية الجهات الحكومية في الأخذ بتوصياتهم ومقترحاتهم، حيث تقابل تلك التوصيات بعدم الاكتراث والتجاهل، مما ينتج عنه إهمال المراقبين لواجباتهم، التي أصبحت نوعاً من إضاعة الوقت والعبث به، فأصبحوا مجالاً للسخرية من قبل موظفي الجهات الحكومية الذين يزدادون تنمراً عليهم.
بينما الرقابة المهنية التي تنتهجها الدول المتقدمة تعتمد على وجود المراقب في مقر الجهة الحكومية، فيتمكن من التعرف على نواح مهمة تفيد في التخطيط لعملية المراجعة، مثل طبيعة العمل بالجهة وهيكلها الإداري والمالي والسياسات والإجراءات المعمول بها، حيث تجعل المراقب قريباً من مصادر المعلومات، إضافة إلى تقييم أنظمة الرقابة الداخلية، بما فيها الأنظمة الإلكترونية وتقنية المعلومات، والحصول على الأدلة والقرائن التي تتسم بالقوة والكفاءة وهو ما يعزز التقارير الرقابية ونتائجها ويزيد من هيبة الجهاز الرقابي.
تطوير العمل الرقابي لا يقتصر على تطبيق تنظيم جديد أو تحول إلكتروني، وإنما يتطلب الأمر ضرورة تطوير المنهجية الرقابية وأسلوب العمل بالتحول إلى المراجعة المهنية الميدانية للأسباب المشار إليها آنفاً، فهذه هي الخطوة الأولى لتطبيق رقابة الأداء، ويكون ديوان المراقبة في هذه الحالة قد بدأ في تطوير أعماله فعلياً. وتزداد أهمية تطوير المنهجية الرقابية مع برنامج التحول الوطني الذي يركز على الاستخدام الأمثل للموارد المادية والبشرية، وقياس الأداء الحكومي، وحماية المال العام وإيقاف الهدر المالي في جميع وزارات الدولة، ومساءلة الوزراء والمسؤولين، والرقابة الحكومية المهنية تضمن سيادة القوانين والتشريعات المالية، وتضمن تحقيق العوائد الاقتصادية وفقاً للخطط المرسومة.
كما تسهم في تحقيق الاستقرار والاطمئنان الاقتصادي والسياسي والحفاظ على هيبة الإدارة العامة الحكومية، ناهيك عن دورها في تقويم أداء الجهات الحكومية وأداء المسؤولين فيها، لمعرفة الثغرات الواجبة العلاج والخلل الواجب الإصلاح، ودورها أيضاً في مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة، وينبغي لديوان المراقبة العامة أن يكون أكثر فاعلية وأكثر مهنية ليتمكن بكفاءة وشفافية من التحقق من الحسابات والأرقام والإحصاءات ومؤشرات الأداء أو المعلومات التي قد تقدم بصورة تعبر عن الإنجازات وفي واقع الأمر تخفي خلفها كثيراً من الفشل والفساد.
ولا ننسى أيضاً الدور المهم لوحدات المراجعة الداخلية في الجهات الحكومية نفسها لقربها من مواقع الخلل، ومعرفتها بمواضع الانحراف، وملازمتها لأنماط العمل، ولذلك يعتبر "الجهاز الإداري هو مصدر الرقابة الإدارية، فهو يراقب نفسه بنفسه، بمستوياته وأجهزته كافة".
والأهم من ذلك كله تسليم المهام الرقابية إلى قيادات إدارية ورجال أمناء وأكفاء لهم تجربتهم الغنية وتخصصاتهم الدقيقة في ممارسة العمل الرقابي ويدركون بعمق أهمية المال العام والرقابة عليه، ومعايير المراجعة المهنية تؤكد على قيم الأمانة والنزاهة والإخلاص وقواعد السلوك المهني وأخلاقيات المهنة، إضافة إلى تقنيات وإجراءات المراجعة، والرقابة الحديثة أصبحت نشاطاً تقع مسؤوليته على كل العاملين وكل المستويات الإدارية.
وفي الختام يا معالي الرئيس، أرى أنه من الضروري في المستقبل بناء علاقات فعالة مع الوسائل الإعلامية من قبل الديوان، إضافة إلى تفعيل التواصل مع المواطنين في مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، مع وضع استراتيجية إعلامية واضحة لذلك، حتى تهتم وسائل الإعلام بالرقابة والمراجعة وتوضح رسائلها ومهامها للمجتمع، وهذا بدوره يؤدي إلى تعزيز المساءلة وزيادة الشفافية وتحسين إدارة الأموال العامة.