والعنوان بعاليه هو حق فكري وملكية خاصة للصديق الأثير، تركي الدخيل، لأنه ذات عنوان مقاله بالزميلة "عكاظ" ما قبل الأمس. أناقش العنوان بعد أن أصبح "أبو عبدالله" قريباً جداً من دائرة صنع القرار العليا، فلعله ينقل إليها هواجس وأفكار صديق حرف قديم. سأقول: لا يمكن حصر "رشاقة الحكومة" في الدمج أو التقليص أو الإلغاء لبعض الوزارات وإن كانت الخطوة تاريخية لافتة. الحكومة الرشيقة هي إلغاء المركزية وتوزيع الصلاحيات كاملة مكتملة إلى مسؤولي الوزارات ومندوبيها بالمناطق الوطنية طالما كانوا أصلاً للثقة. سأبتعد عن التنظير ذاهباً للأمثلة: مدير جامعي لا يملك صلاحية تعيين معيد ثم ابتعاثه إلا بموافقة القلم المركزي لمعالي وزير التعليم الذي يحيلها بدوره إلى لجان مركزية قبل أن تعود إلى طاولة وزير مشغول بهموم نصف مليون موظف وعشرات آلاف المدارس. مدير عام التعليم لا يملك صلاحية نقل معلم من محافظة إلى الأخرى داخل نطاق مسؤوليته لأن هذه "معاملة" تاريخية تتفرغ لها عشرات اللجان والاجتماعات في الجهاز المركزي للوزارة. مدير عام الشؤون الصحية في أي منطقة لا يستطيع اليوم تحويل مريض إلى العلاج بالقطاع الخاص، ولا يستطيع حتى صرف علاج التهاب الكبد الوبائي إلا عبر اللجان المركزية بالوزارة الأم، وقد يذهب المريض إلى "ملكوت" الله قبل أن تصل اللجنة إلى أوراقه من بين آلاف الأوراق، وهنا العتب على جهاز البريد. مكوكية هائلة لأكياس أوراق المخطط ما بين الأمانة والوزارة. مدير عام الضمان الاجتماعي في مسقط رأسي بسراة عبيدة لا يمكن له اعتماد صرف مكافأة إنقاذ عاجلة بعشرة آلاف ريال لعائلة محتاجة إلا بعد الاعتماد من مكتب معالي الوزير، الذي يتلقى يومياً آلاف الطلبات من هذا النوع، ثم دعونا نتخيل أنه ينظر لكل طلب على حدة، وهذا صلب المستحيل مثلما هو عين البيروقراطية، ثم نتحدث عن حكومة رشيقة.

سأختم بالطرفة: كنت مع مسؤول وزاري من العيار الثقيل قبل ثلاثة أعوام وهو يتحدث عما لا يقل عن اجتماع يومي لمئتي لجنة عليا في دهاليز الوزارات ثم يدعوني يومها لزيارته في مكتبه، ظهر الغد. قلت له مازحاً: لكنني أرجو ألا تكون عضو لجنة كي لا تعتذر عن مقابلتي في اللحظة الأخيرة. لا زلت أتذكره ضاحكاً وهو يجيب: لدي اجتماع لجنتين صباح الغد، وثالثة مسائية خارج الدوام. الخلاصة: الحكومة الرشيقة هي اختيار الكفاءة ثم إعطاؤها كافة الصلاحيات. الحكومة الرشيقة هي أن نتخلص من مئات اللجان المركزية، وأن نتوقف عن استيراد طاولات الاجتماعات. انتهت المساحة.