من المعروف أن المؤسسة الدينية هي مصطلح للجهات الرسمية المخولة بشؤون الدين، كما يعني أن ما سواها هي الجهات المخولة بالشؤون الدنيوية التي هي من اجتهاد البشر عبر الشورى بينهم وبما لا يخالف الدين. ومن أجل حماية أي مؤسسة؛ فلا بد من الالتزام بضوابط الخالق ومصالح المخلوق، والتشغيل الدائم والتطوير المستمر، وعدم جلب المشقة على الناس، والوقاية المعنوية لسمعة المؤسسة.

ومن المدرك الفروق بين مصطلح الإسلام كعموم الدين والدنيا وبين مصطلح الدين كخصوص الدين والآخرة، ولذا فكل مؤسسات الدولة تعتبر إسلامية بالمعنيين الموجب والسالب -وكلاهما إيجابي لا سلبي-، فالموجب -أي بالفعل- هو ما يأتي ضمن فعل الواجبات والمستحبات، والسالب -أي بالترك- هو ما يأتي ضمن ترك المحرمات والمكروهات، وبالتالي فالواجب يتم تحصيله والمستحب يتم التحفيز له والمحرم يتم منعه والمكروه يتم التحرز منه، وأما المباح فتدعه للناس فعلوه أم تركوه، وربما ساعدت لأجل تحصيله من باب أنه الأصل وأنه يأتي ضمن "ساعة وساعة" للترفيه والترويح البريء، وعليه فالوصف الإسلامي هنا لا يعني إلا القصد المطرود منه وليس المجلوب له.

وأما الديني فهو المتعلق بالشأن الخاص بالدين وما يرتبط به، فوزارة مثل الشؤون الإسلامية تعني الشؤون الدينية، بل بعضها التي تأتي ضمن اختصاصها فقط، وليس عموم الشؤون الدينية فضلا عن الإسلامية بشقيها الديني والدنيوي، ولكن لا مشاحة في الاصطلاح ما دام قد تعورف عليه في البلاد العربية، وعلى ذلك فوصف الإسلامي هنا يعني الديني وأما وصف الدولة بالإسلامية فلا يعني الديني وإنما يعني ما لا يخالف الدين، ولذا فرأينا من يقول بأنه لا يجوز إدخال التخصصات الدنيوية في الجامعات الإسلامية، وهذا على فهمهم بأنها دينية محضة، في حين أنها ربما تعني التركيز على التخصصات الدينية ولا يمنع الدنيوية، مع أنني أتحفظ على كلمة (إسلامية) في شأن مؤسسات دولة إسلامية يدين كل شعبها بالإسلام مثل وزارة إسلامية وجامعة إسلامية.

وعلى ذلك فيمكن تصنيف أربع مؤسسات رسمية تمثل "الدين"، وهي مؤسسة (الفتوى) عبر رئاسة البحوث العلمية والإفتاء ويتبعها هيئة كبار العلماء المختصة بالشأن العام كمجلس فتوى استشاري للملك (21 عضواً برئاسة سماحة المفتي العام) وفيها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والفتوى المختصة بالشأن الخاص لفتاوى الناس (7 أعضاء برئاسة رئيس الهيئة) وبالطبع فالفتاوى غير ملزمة للأفراد ومن باب أولى للملك وإنما هي استرشادية لأن غالب المسائل اجتهادية ومحل خلاف سائغ ويعمل الملك بما يرجحه من باب الاستحسان والسياسة الشرعية المحققة للمصلحة العامة للبلاد والعباد، ويفترض أن يكون تحت إشرافها المجمع الفقهي السعودي الذي لم ير النور للأسف، ومؤسسة (القضاء) عبر 4 أجهزة حكومية هي وزارة العدل وديوان المظالم والمجلس الأعلى للقضاء وهيئة التحقيق والادعاء العام، ومؤسسة (الحسبة) عبر الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومؤسسة (المساجد) -وليس الأوقاف- عبر جهازين حكوميين هما وزارة الشؤون الإسلامية والرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين، وهناك مؤسسات شبه رسمية كرابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي وغيرهما، إضافة لمؤسسات تتعلق بشؤون دينية كوزارة (الحج والعمرة) وهيئة (الزكاة) إلا أنهما ذات صبغة إدارية في الأولى ومالية في الثانية، وأما مجلس (الشورى) فلا يمكن تصنيفه كمؤسسة دينية وإنما ضمن المنظومة الإسلامية، ولذا فهو شريك في السلطة التشريعية مع مجلس (الوزراء) صاحب السلطة التنظيمية والتنفيذية.

وهذه المؤسسات بحاجة لإعادة النظر في أدائها ودورها المفترض منها، لأننا في زمن يحتم علينا الأخذ بزمام المبادرة للحاق بركب التطور الشامل والتنمية المستدامة، وهذه المؤسسات يجب أن تكون أكثر من غيرها اهتماما في مخرجاتها، لأنها تعطي الانطباع عن الدين وليس الدنيا الذي تمارسه أجهزة أخرى، وعلى ذلك فلا يليق بها ألا تقف مع الناس في مطالبهم فضلا عن أن تقف أمام خياراتهم المشروعة، وربما وقف الناس موقفا سلبيا من الدين نفسه بحجة أن المؤسسات الدينية هي السبب، ولذا فطبيعة عمل هذه المؤسسات حساس للغاية، وينبغي مراعاة الأثر على ما تحمله تلك الأجهزة من واجبات، ويجب أن تكون هي أفضل القطاعات الحكومية شكلا ومضمونا.

وكما أن اللوم يقع على بعض المؤسسات الخدمية مرة، فإن اللوم الذي يقع على هذه المؤسسات مرتين، لأن الواجب منها أن تكون القدوة في الأداء والتعامل والإنجاز، ولا ينبغي أن تستقوي على الناس برهبة دينية، وإنما برغبة روحية، وإذا كانت الدنيا يُلزم بها وقائمة على المشاحة، فإن الدين اختيار ومسامحة، وممارسة العمل على كون الدين جاء معينا لا معيقا، وبديلا عن المحرم وليس مجرد باب لسد الذرائع.

وكلما سادت الفجوة بين هذه المؤسسة والمجتمع كلما تحملت هي المسؤولية، فيجب أن تكون الملجأ الذي يهاجر إليه وليس المنفر الذي يهرب منه، ولن يتحقق ذلك إلا بطبيعة الممارسة، فالشعوب اليوم ذات قوة ومعرفة، ولا يمكن أن توجه بالقوة الدنيوية أو الرهبة الدينية، وذلك بالمعاملة الحسنة والقدوة التي تجذب الناس إليها وإلى ما تحملها من معان طاهرة ومضامين طيبة، وليس بالاستقواء على الناس بما يكرههم بأعز ما يملكونه. ومن ذلك سعة البال للنقد البناء، وعدم منح العصمة لأجهزة أو أفراد، ولذا نجد بأن إبراهيم عليه السلام يخاطب ربه قائلا: (ربي أرني كيف تحيي الموتى)، فلم يأت الجواب الرباني منكرا عليه السؤال وإنما مستجيبا بقوله: (أولم تؤمن؟)، فجاء الرد النبوي: (بلى ولكن ليطمئن قلبي)، فجاءت الاستجابة الربانية: (فخذ أربعة..) الآية، فليس السائلون اليوم بأكثر إيمانا من إبراهيم، وليس المسؤولون بأكثر عظمة من رب إبراهيم، إذن فعلينا بخُلُق القرآن الكريم لتطمئن قلوب الناس ونبشرهم لا أن ترتهب نفوسهم وننفرهم عن دين الله.

وختاما، كلنا آمل بهذا العهد الميمون الحازم أن يعاد تشكيل جميع المؤسسات الدينية وتجديد كل الدماء فيها بكوادر وسطية تجديدية تقف مع تحقيق الرؤية السعودية 2030 لا أن تقف متفرجة فضلا عن أن تضع العصي في الدواليب، وذلك للإسناد الشرعي لخطط التنمية تحقيقا لمصلحة البلاد والعباد.