رؤية المملكة 2030، حلم الوطن الكبير الذي أوشك على التحقق، فشرع أبواب الأمل ورفع سقف التوقعات. هذا الحلم الكبير يجعلنا نتفاءل بمستقبل جميل نتوحد فيه جميعا، ونحظى معا بفرصة قطف الثمار الشهية. الدلالات العميقة لهذه الرؤية تجعلنا نذهب بعيدا، ولا تقف تطلعاتنا عند الجوانب الاقتصادية والتنموية؛ لأننا ندرك النظرة الثاقبة لقيادتنا الحكيمة في المملكة العربية السعودية، وهي قيادة رشيدة تدرك دائما أن الاستثمار الحقيقي للأوطان، هو الاستثمار في الإنسان.

ولأن إنسان هذه الأرض نبيل كريم نشأ على خصال العرب الحميدة، وعلى إنسانية الإسلام الحقة، فإنه يظل تربة خصبة للاستثمار، ومشروعا لا مجال فيه للبوار. ولأننا ندرك ذلك في أبناء هذا التراب، وننشد الأفضل لهذا الوطن، نقول: إن الرؤية الوطنية 2030 لا بد أن تُعنى بالقضايا الاجتماعية التي تمس حياة الإنسان واستقراره، وأن يكون ذلك فيها مقدما على أي بحث في مسائل الاقتصاد والتنمية؛ لأن الكل يعلم أن الإنسان الصالح لبنة صالحة في المجتمع، وأن هذا الأخير؛ بكل شرائحه وفئاته هو الذي ينهض بالتنمية وهو الذي يحرك الاقتصاد الوطني.

الاستثمار في الإنسان يعني أن نبدأ أولا من النظر في احتياجاته، وأن نركز على ما له من الحقوق، حتى نكون على ثقة تامة في ولائه ومواطنته، حين نطلب منه القيام بواجباته ومهامه التنموية والأمنية.

التركيز على الحقوق لا يكون بافتتاح المشاريع التنموية، أو زيادة مستوى الرفاهية، بل يبدأ من التركيز على قضايا الولاء والمواطنة. وهنا لا بد من مراجعة خططنا السابقة في هذا الجانب، للتحقق من وفائها بتطلعاتنا جميعا قيادة وشعبا. ولأن المواطنة والولاء مفاهيم لا يمكن الاقتصار في غرسها على منهج دراسي يحفظه الطالب ثم ينساه، أو يتعثر فيه، فيترك في نفسه جرحا لا يزول، ويكون في الحالين فاقدا لما كنا نحاول أن نزرعه فيه، فإن من واجبنا أن نجعل من المواطنة ممارسة حقيقية لا مناهج دراسية فقط.

إن علاج قضايا الجنسية والبدون من أهم ما يلزمنا التركيز عليه اليوم، فإلى جانب تصحيح أوضاع المتخلفين، الذين سخرت لهم الجهات الأمنية وما تزال جل طاقاتها، تظل قضية البدون هاجسا أمنيا يترصد مشاعر الولاء والمواطنة.

تسوية أوضاع المقيمين في البلد لمدة طويلة بمنحهم "البطاقة الخضراء" عمل جليل بلا شك، وستكون له عوائده المجزية على الاقتصاد الوطني، ومثله يمكن أن يقال في منح فئة البدون حق المواطنة، والتعجل في إصدار جنسيات لهم، لأن ذلك يسهل دمجهم في المجتمع، وينقذهم والمجتمع من خطر الشعور بالتمييز والعنصرية.

نحن بحاجة إلى كل رجل وامرأة عاشوا على تراب هذا الوطن، وبذلوا أعمارهم وأموالهم من أجل نموه ونهضته. بحاجة إلى ولائهم وإلى شعورهم بالاستقرار الذي يجعلنا جميعا بمأمن من خطر المخربين الذين يصطادون في المياه العكرة.

أقول ذلك وأنا على ثقة تامة بوعي القيادة الحكيمة في المملكة بأهمية العمل على توحيد أبناء هذا الوطن تحت راية التوحيد، وجعلهم جميعا على قلب رجل واحد.