ينقل لي الصديق الكريم الدكتور علي الخبتي عبارة لسمو الأمير خالد الفيصل، قالها أمام ضيوف مجلسه فحواها: "أقسم بالله العظيم أنني تعلمت من مجالس الرجال أكثر مما تعلمت في المدارس والجامعات"!
لم أنشر العبارة بالمناسبة لو لم يسمح الأمير بذلك، فالمجالس أمانات..
الأمير شاعر وإداري فذ وحازم.. وله بصمة إدارية واضحة المعالم لا ينكرها سوى جاهل أو حاقد.. بل هو أحد أبرز الشخصيات الإدارية في بلادنا. لك أن تتخيل لو أن ذلك الاعتراف ورد على لسان "أحد المفكرين الخواجات" أو الشخصيات الإدارية، أو أحد الساسة الغربيين.. كيف سيكون صداها!
استحضرنا تجربة الكندي "مالكوم قلادويل".. الذي قام بإصدار 6 كتب، كلها -محتوى وفكرة- حسب اعترافه، جمعها من "مجالس النخب" كما وصفها.. و"قلادويل" -البالغ من العمر 52 عاما- إحدى الشخصيات المؤثرة في مجتمعه، واليوم تحتفي به وسائل الإعلام هناك بشكل لافت!
نحن أمام طريقة مؤثرة، وقناة مهمة للتعلم.. وبحاجة فعلية لأن نفكر سويًّا كيف يستفيد منها الجيل الجديد، بل -وهذا المهم- كيف نقدمها لمؤسسات التعليم، لا للتعليم كمنهج، بل من وجهة نظري، للتعلم الذاتي كنشاط.. أن تعلمني صيد السمك خير من أن تهديني كل يوم سمكة!
المجتمع مليء بالخبرات، والعقول، والمفكرين، لكنهم زاهدون في الظهور الإعلامي.. هناك من يستحق أن يَروي.. وهناك ما يُستحق أن يُروى!
الحياة تزداد تعقيدا، والجيل الجديد بحاجة لأن يتعلم الحكمة من أهلها، والخبرات من أصحابها.. الدنيا ليست كلها مواقع تواصل، وبرامج، وشبكة واي فاي، الحكمة والخبرة ليستا تطبيقا يتم شراؤه من متجر "آبستور".. بل من السماع والاستماع لأهل التجربة والخبرة وارتياد مجالسهم، ومنتدياتهم، واجتماعاتهم، ولقاءاتهم..
نحن أمام مفارقة مذهلة.. لدينا عقول شابة متعلمة وحاصلة على شهادات علمية، وهم مؤهلون، لكنهم لا يفقهون شيئا في الحياة إن أغلقوا هواتفهم وحواسيبهم أو خرجوا من المختبر وقاعة الدرس!
إننا أمام وسيلة تعلم -لها آدابها وطقوسها وقوانينها- لم تنل نصيبها من البحث والرصد والتحقيق.
يقول راكان بن حثلين: "يا ما حلا الفنجال مع سيحة البال.. في مجلسٍ ما فيه نفسٍ ثقيلة"..