إلحاقاً للمقالات السابقة لكاتب هذه السطور حول الإسلاموفوبيا وكيفية تعاملنا معها على الصعيد السياسي والدبلوماسي سواء في المملكة أو العالمين العربي والإسلامي فإن هذا المقال كتب بالمشاركة مع الإعلامي المخضرم الأستاذ عزيز فهمي الذي عمل مراسلاُ للعديد من القنوات العربية في واشنطن على مدى ما يقارب عقدين وهذا المقال يهدف إلى محاولة إبراز الوجه الآخر لقضية المآذن في سويسرا وهي القضية التي شغلت الرأي العام وكانت بمثابة الترجمة السياسية الأولى لتوجهات اليمين المحافظ في أوروبا ضد المسلمين، وهذه القضية تمثل نموذجاً واضحاً لأوجه العجز في الفهم العربي تجاه ديناميكيات المسألة وكذلك أوجه القصور لدى السياسة العربية في التعامل معها ومع غيرها من القضايا المشابهة والتي تتعلق بهذا الموضوع الهام والمرحلي بالنسبة للمسلمين بصورة عامة.

لماذا قضية منع بناء المآذن في سويسرا؟ يجادل البعض بأن قضية المآذن وقعت وانتهت ويمكن الآن تجاهلها أو طيها في الأدراج، ولكن هذه القضية تطرح من جهة أخرى عدة نقاط لها دلالات في غاية الأهمية.

أولاً: منع بناء المآذن وهو الأمر الذي بدأ بمبادرة شعبية عارضته الحكومة السويسرية بشدة، أصبح قانوناً تضطر الحكومة السويسرية للدفاع عنه في المحافل الدولية، وهو ما تسبب في فتح شهية الجماعات اليمينية الأوروبية المتشددة للمطالبة باعتبار النموذج السويسري نموذجاً يجب أن يحتذى في بلادهم، ومن ثم فقضية منع بناء المآذن لها انعكاسات تتعدى مجرد الواقع السويسري وباتت تحدياً وخطراً متصاعداً لا يهدد فقط المسلمين في أوروبا وإنما – وهو الأهم – يهدد العلاقة بين العالم العربي والإسلامي من جهة والعالم الغربي والمسيحي من جهة أخرى.

ثانيا: موقف الحكومة السويسرية المعارض لمبادرة منع بناء المآذن والذي ترجمه أكثر من وزير قبيل التصويت بالتصريح أن المبادرة تعد انتهاكاً لحقوق الإنسان السويسري المسلم كان سبباً رئيساً لتراخي رد الفعل الدبلوماسي والسياسي العربي والإسلامي على هذه المبادرة والحملة التي رافقتها، وتقدير الحكومة السويسرية بأن المبادرة لن تنجح هو ما تم نقله من خلال السفراء العرب والمسلمين هناك، ومن ثم فإن السكون العربي والإسلامي تجاه هذه المبادرة قبيل التصويت عليها جاء نتيجة لقراءة خاطئة للموقف، وما تلا ذلك من غياب للفعل جاء نتيجة غياب تصور كامل لكيفية التعامل مع هذه القضية ومواجهتها، وهو الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول الدروس المستفادة من هذه المسألة، وكيفية التحرك مستقبلاً فيما يخصها أو يخص القضايا المشابهة لها.

إن أهم ادعاءين لأصحاب المبادرة هما، أولاً: ضرورة إيقاف أسلمة سويسرا، ورغم أن عدد السويسريين المسلمين لا يتجاوز 5% من السكان، فقد نجح أصحاب المبادرة في استثارة خوف المواطن السويسري من إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية في أوروبا. ثانياً: أن المئذنة رمز للهيمنة الإسلامية ورد ذلك إلى العصور الوسطى التي شهدت توسع الإمبراطوريات الإسلامية بما في ذلك الحملات التي قادتها الإمبراطورية العثمانية لقلب أوروبا وحاولت إسقاط مدينة فيينا.

قبيل التصويت على المبادرة بأيام قام الكاتب المشارك في كتابة هذه السطور بتغطية تجمع خطابي مناهض للمبادرة في أحد ميادين زيورخ شاركت فيه عمدة المدينة السيدة جورين موش (Corin Mauch) والتي أكدت أن سويسرا تتمتع بحرية وسلام الأديان وهي مبادئ وقيم يجب التمسك بها وهزيمة تلك المبادرة، ولكن اللافت للنظر أن منظمي ذلك التجمع كانوا ثلاثة طلاب سويسريين اثنان مسيحيون والثالث ملحد، والأكثر إثارة هو أنهم حملوا ملصقاً يمثل سماء سويسرا مع بعض السحب البيضاء في حين تظهر في أسفل الصورة أبراج لأماكن عبادة مختلفة بما فيها مئذنة جامع وبرج كنيسة وكتب على الملصق: "إن سماء سويسرا تتسع الجميع".

ذلك الشعار الذكي والقوي كان أبلغ رد على شعار أصحاب المبادرة الذين أظهروا المآذن وكأنها صواريخ رسمت باللون الأسود على أرضية علم سويسرا في رسالة لا تخطئها العين أن الإسلام خطر يهدد الأمن القومي السويسري.

ورداً على استفسار الكاتب عن سبب عدم نشر هذا الملصق جنباً إلى جنب مع ملصقات أصحاب المبادرة والتي انتشرت في كل مكان من محطات النقل العام إلى المساحات الإعلانية التلفزيونية، أجاب هنري بوث (Henry Both) أحد الطلاب المنظمين للتجمع بأنهم كانوا يرغبون بذلك ولم يتمكنوا نظراً لأنهم لا يملكون الموارد المالية التي تسمح لهم بعمل ذلك.

هذه الإجابة تجسد إحدى الفرص الضائعة لمواجهة مبادرة منع بناء المآذن، لأن استطلاعات الرأي في الأسابيع والأيام الأخيرة قبل التصويت أوضحت أن الدعايات السلبية المثيرة لعواطف الناخب السويسري بدأت تطرح ثمارها ولم يعد مؤكداً أن المبادرة ستهزم كما أكد المسؤولون السويسريون للسفراء العرب والمسلمين.

مبادرة منع بناء المآذن أثبتت عجزنا عن ممارسة الدبلوماسية العامة في أن يكون لنا صوت مسموع في تلك المجتمعات من خلال التواصل المستمر على الأرض مع المجتمع وهو ما تؤكده قراءتنا الخاطئة للتغير الذي يحدث على أرض الواقع، ومن جهة أخرى فإن هذه القضية تثبت إخفاقنا في تطوير آليات مبتكرة للتعامل مع مثل هذه القضايا وهو ما يؤكده عدم التنبه والنأي عن دعم مثل هذه الجماعات التي ناهضت المبادرة والتي لم يكن ينقصها سوى القليل من الدعم المادي، ولهذه النقطة بالذات دلالة خاصة، ذلك أن نسبة الذين صوتوا ضد المبادرة كانت 42% دون أن يكون هناك أي حملة مضادة قوية.

خلال العام المنصرم كانت هناك عدة محاولات لتحدي قانون منع بناء المآذن في المحاكم السويسرية وفي محكمة حقوق الإنسان الأوروبية حيث إن سويسرا أحد الموقعين على ميثاق حقوق الإنسان الأوروبي، ورغم صعوبة وتكلفة مثل هذه الإجراءات القانونية، فإن دعمها يظل جزءاً من الدبلوماسية العامة التي باتت مطلباُ ملحاً في سياساتنا الخارجية.

إن سياق القضية لا يقتصر فقط على منع بناء المآذن وإنما على انعكاساتها على العلاقة بين الإسلام والغرب مستقبلاً، ومن ثم فالدروس المستفادة في هذه القضية ليست مجرد سبل التعامل مع ما حدث في سويسرا وإنما تتعلق المسألة بتطوير آليات لدبلوماسيتنا العامة تمكنها مستقبلاً وفي الكثير من القضايا الشبيهة من قراءة الواقع على الأرض، ومن التواصل مع المجتمعات المختلفة على عدة أصعدة إلى جانب المستويات السياسية والدبلوماسية، وكذلك تتعلق بإيجاد آليات للعمل على الأرض.