لا أعرف لوائح ولا طبيعة الانتخابات التجارية والرياضية، لكني قريب من الانتخابات البلدية وانتخابات الأندية الأدبية. والأخيرة، وحدها، يسبقها ويصاحبها ويلحقها ضجيج واضح، وكان مسؤولون سابقون في وزارة الثقافة والإعلام قد لمحوا وصرحوا بأن المثقفين فشلوا في انتخاباتهم، وأن الوزارة قد تلجأ إلى التعيين مرة أخرى لنصف الأعضاء على الأقل، إلا أن تصريح الوزير السابق عبدالعزيز خوجة وضع حدًّا لتلك النوايا، وأكد أن الانتخابات ستستمر ولكل الأعضاء.
بصرف النظر عن أن لائحة الانتخابات البلدية مهدت للفزعات القبلية وفرغت الانتخابات من أهم مضامينها (المدنيّة)، لكن يحسب لها أن لائحتها واضحة وشروطها محددة وتعريفاتها محكمة واقتراعها نزيه وعامة جمهورها من الذين لا يعرفون غاية الانتخابات ولا معناها.
وهذا كله لم يتوفر لانتخابات الأندية الأدبية التي تتعامل مع شريحة على قدر معقول من الوعي بمسألة الانتخابات.
الوزارة فشلت وليس المثقفون، فهي التي وضعت اللوائح، وهي التي أدارت الانتخابات، الأمر الذي أدخل الوزارة للمحاكم وعرضها للإحراجات، وخسرت قضاياها أمام خصومها، واتهمها المثقفون بالتلاعب بالنتائج ولم تستطع الدفاع عن نفسها. واستمرت لائحتها من تعديل إلى تعديل، أكثر من مرة تجتمع اللجان وتخرج المسودات لاستمزاج رأي المثقفين ثم حين تخرج بعد اعتمادها تكون غير تلك التي أبدى المثقفون فيها آراءهم، وأقرب دليل اللائحة الأخيرة.
علاقة الأندية بالوزارة ما زالت غير واضحة، وصلاحيات الجمعيات العمومية غائمة، وليس في اللائحة تعريفات محكمة لـ"أديب، مثقف" ولا أعتقد أن هذا ممكن، كما أن الشروط التي وضعتها سمحت بدخول 650 عضوا في ناد واحد من أندية المملكة، وهو عدد أتوقع أنه يفوق عدد الأدباء والمثقفين في المملكة كلها!. وإذا أضفنا إلى ذلك التداخل بين الأندية وجمعيات الثقافة والفنون وحظوظهما من المعونة المالية ومصارفها المحددة من الوزارة فإن الصورة ليس فيها إلا الوهم الذي يعلو حوله الضجيج كل 4 سنوات، سبب الضجيج هو البحث عن حقيقة "الانتخابات" في الصورة الوهم. ودائما ستجد الوزارة كل 4 سنوات المئات والآلاف من البشر يملؤون سجلات عضوية الوهم، وكل له أسبابه الخاصة تحت مظلة "الثقافة".
أتمنى أن تجد المطالبات بإنهاء مرحلة الأندية الأدبية آذانا مستجيبة، لا يليق بنا أن نتقدم يوما واحدا للأمام والأندية معنا بصورتها الحالية، أما إذا أرادت الوزارة أن تبقيها كما هي فأقترح عليها أن تفتح العضوية للجميع كما هو حال الأندية الرياضية فيها، الرياضي والمهندس والحِرَفي والتاجر والأديب، هذا الاقتراح سيدعم خزائن الأندية وسيجنب الوزارة مآزق التعريفات ومآزق الشروط.
الشيء الذي يجب ألا يفرط فيه المثقفون هو فكرة "الانتخابات" وصفائها، فالصراع بين الوزارة وكثير من المثقفين ليس على الثقافة ولا على الأدب، وإنما الصراع في جوهره حول فكرة "الانتخابات" التي يجب أن تبقى صافية ونقية في لوائحها وممارساتها وغاياتها، على المثقفين حمايتها ليس في أنديتهم فحسب، بل في الانتخابات البلدية أيضا، فعليهم تقع هذه المسؤولية وألا يتركوها لأفراد في لجان يكتبون ويمحون ما يشاؤون وفق نظرتهم الوظيفية.
أختم بمثال طريف لما يمكن أن يفعله المثقف حين يريد؛ في الاقتراع السابق في الأندية الأدبية بواسطة التصويت الإلكتروني المريب خسر بعض المرشحين رغم حصوله على قدر كاف من الأصوات، ولأن الوزارة لم تخرج نتائج التصويت الإلكترونية ولم تستطع الدفاع عن نفسها أمام ضغط المثقفين عليها واتهامها بالتلاعب بالنتائج، فقد نصت في لائحتها الجديدة على أنه من حق لجنة الانتخابات في الوزارة أن تستبعد من تشاء، وليست ملزمة بذكر الأسباب، هكذا عيني عينك!.
وأعتقد أن هذا أجمل بند في اللائحة وأفضل إنجاز للمثقفين الحقيقيين في دفاعهم عن الانتخابات، فالاستبعاد سيكون من الوزارة ويستحق جولة أخرى من الضغط القانوني، لكن لن يقع الاستبعاد مرة أخرى في ليلة الاقتراع وباسم الانتخابات.
فكرة الانتخابات يجب أن تبقى نظيفة، وألا تكون لدينا انتخابات إطلاقا هو أشرف لنا من أن تكون لنا انتخابات مضروبة.