قبل أيام قليلة كان ختام الدورة السابعة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني، هذا المنتدى التعاوني الذي كانت بداية تأسيسه في 14/ 9/ 2004 بالقاهرة، بعد أن طرح الرئيس الصيني أثناء زيارته مقر الجامعة العربية في يناير 2004 فكرة إنشاء منتدى تعاون عربي صيني على مستوى وزراء الخارجية يقام كل سنتين ويعتمد على 4 محاور وهي: التعاون في المجال السياسي، والمجال الاقتصادي، والمجال الثقافي، ومجال الشؤون الدولية.
في الدورة الأولى للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني قال وزير الخارجية الصيني إن هذا المنتدى يشكل أهمية قصوى لحكومة الصين، وإن الحكومة الصينية ستبذل جهودا كبيرة لإنجاحه، وفي الحقيقة حقق هذا المنتدى نجاحا باهرا في كافة المجالات إلا في المجال الثقافي الذي يؤسفني أنه حتى الآن لا يوجد تبادل ثقافي عربي صيني في إطار هذا المنتدى يستحق الذكر، رغم أنه من أهم المحاور التي اعتمد عليها تأسيس هذا المنتدى.
ركز منتدى التعاون العربي الصيني في كل دوراته على المجالين الاقتصادي والسياسي وأهمل المجال الثقافي. لو تصفحنا نجاحات منتدى التعاون العربي الصيني في مجالات السياسة والاقتصاد والشؤون الدولية، والتي استعرضها وزير الخارجية الصيني في ختام الدورة السابعة التي أغلقت أبوابها الأسبوع الماضي لوجدناها إنجازات كبيرة مثل: الارتقاء بعلاقة الصين مع 9 دول عربية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، وانضمام سبع دول عربية إلى البنك الآسيوي للاستثمار، وتوقيع اتفاقيات بشأن طريق الحرير الصيني مع 5 دول عربية، وتعاون مثمر بعد مفاوضات بين مجلس التعاون الخليجي وجمهورية الصين الشعبية لإقامة منطقة تجارية حرة في وقت قريب، وتم إنشاء مركزين لتسوية العملة الصينية، ووصلت قيمة العقود الهندسية الجديدة ما بين الصين والدول العربية إلى أكثر من 64 مليار دولار، وإقامة مختبر وطني صيني عربي مشترك، وافتتاح المركز العربي الصيني لنقل التكنولوجيا، وغيرها من الإنجازات المدهشة والكبيرة بعكس التعاون في المجال الثقافي الذي لا يقل أهمية عن المجالين السياسي والاقتصادي، والذي واجه إهمالا كبيرا أعتقد أن سببه الرئيس هو أن كافة أعضاء منتدى التعاون العربي الصيني هم وزراء الخارجية للدول العربية ودولة الصين، والذين تصب أغلب مهامهم الوظيفية في مجالي تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية.
لذلك أتمنى -من أجل إنجاح محور المجال الثقافي الذي ذكر كثالث محور في اتفاقية منتدى التعاون العربي الصيني- ضم الوزراء المعنيين بالمجال الثقافي والتعليمي في الدول العربية وجمهورية الصين لهذا المنتدى في الدورات القادمة، وإسناد مهمة تطوير العلاقات في المجال الثقافي والتعليمي لهم، ومحاولة سد فجوة القصور في التعاون الثقافي التي اتسعت خلال الدورات السبع الماضية.
الترجمة من أهم مقومات التبادل الثقافي بين الأمم والشعوب والدول، ورغم ذلك نجد أن هناك شبه غياب لمجال الترجمة بين الدول العربية والصينية، وأثناء بحثي عن أعمال عربية أدبية وثقافية مترجمة للصينية لم أجد أحدا يترجم من العربية إلى الصينية بشكل مطلق، وفي مجال ترجمة الشعر والأدب والكتب الثقافية الصينية إلى العربية وجدت فقط عملا فرديا للدكتور عبدالعزيز حمدي رئيس قسم اللغة الصينية بجامعة الأزهر، والذي ترجم عدة أعمال مثل "الأدب الصيني في القرن العشرين" ورواية الضفدع التي حصلت على جائزة نوبل للآداب عام 2012 للكاتب الصيني مو يان، والعديد من المسرحيات أهمها مسرحيات تساو يو "المقهى"، "شروق الشمس"، ومسرحية "البرية" التي ترجمها بعد لقائه بتساو يو شخصيا أكثر من 3 مرات، آخرها في المستشفى قبل وفاته بأسبوع تقريبا، والدكتور عبدالعزيز حمدي الذي يعمل بشكل فردي مترجما أعمالا ضخمة يحاول دائما أن يلتقي بالكاتب الذي يريد أن يترجم له حرصا منه بهذا التقرب على فهم وجهة نظر الكاتب، وإدراك بعض التفاصيل التي يحتاجها أثناء الترجمة، ووجدت أثناء بحثي أن هناك مترجمين يترجمون الأعمال الصينية إلى العربية، ولكن عبر لغة وسيطة كالإنجليزية والفرنسية.
مجال التعاون الثقافي بين الدول العربية وجمهورية الصين الشعبية يواجه قصورا كبيرا، ومنتدى التعاون العربي الصيني هو المسؤول عن هذا القصور، لكونه البوابة الرسمية والمثالية لتعزيز التعاون الثقافي، ونأمل أن يعالج هذا القصور، ويرتقي بالمجال الثقافي ليحقق نتائج باهرة كالتي حققها في المجالين السياسي والاقتصادي.
المجال الثقافي هو المحور الغائب عن منتدى التعاون العربي الصيني، وتعزيز حضوره يمكننا من فهم ثقافة الشعب الصيني وتاريخه وطريقة تفكيره المختلفة تماما عن طريقتنا العربية، مما يجعلنا نستفيد من تجربتهم وإمكاناتهم في تحقيق النمو والاستقرار والثراء المعرفي.