العمل المؤسسي عصب حياة الأمم، فالبلاد تنهض بمؤسساتها، والأمم تتحضر حين تكون مؤسساتها منظمات إنتاجية قادرة على ضخ الروح فيها، قادرة على توجيه التنمية في مسارها الصحيح عبر خطط جادة.

والمؤسسات في أي دولة، وتحت أي قطاع (حكومي/ أهلي) تقوم على نظام إداري تراتبي، يحفظ الحقوق، ويحدد المسؤوليات، ويسهل أداء الواجبات، وهذا أمر منطقي، لكن غير المنطقي هو أن تتحول تلك التراتبية الوظيفية إلى طبقية، فتصبح طبقة المديرين وأصحاب العمل مثل طبقة (الأشراف والإقطاعيين)، ويصبح المرؤوسون مثل (طبقة العمال). هنا لا بد من التنبه لوجود خلل وظيفي يحتاج إلى العلاج السريع من قبل الجهات المنظمة للعمل في البلاد.

إحساس الموظف بأن المدير هو رب العمل، رب الترقية، رب العدالة، يجعله مسرفا في التملق إليه، مغاليا في طلب رضاه، لأن الرضا مفتاح الحقوق وما فوق الحقوق أيضا، ومثل هذا الشعور خطر يترصد مؤسساتنا ويهدد التنمية في بلادنا.

في كثير من الجلسات أسمع عبارات مثل (هذا مقرب عند المدير)، (عليك بفلان المدير يحشمه)، (هذا جاسوس المدير احذروه)، التي تؤكد أن كثيرا من المديرين يستخدمون سلطتهم الوظيفية استخداما سيئا، يجعلهم في عين المرؤوس دائما، ويجعل المؤسسة برمتها خلف ظهره. وحين يكون هدف الموظف إرضاء المدير فإن المؤسسة التي تخسر ولاءه أولا، تخسر طاقته الإنتاجية التي يسخرها تماما لإرضاء المدير وإشباع شعوره المتعاظم بطبقيته.

هنا لا بد أن نتوقف للبحث عن حلول حقيقية تجعل ولاء جميع الموظفين، من رؤساء ومرؤوسين للمؤسسة التي يعملون فيها، وتجعل مقياسهم الحقيقي في الأداء الوظيفي هو ما يقدمونه للمؤسسة، ومن ثم للوطن، لا ما يقدمونه لصاحب الطبقة الوظيفية الأعلى (المدير أو صاحب العمل).

وكي يكون ذلك متحققا يمكن أن تصدر وزارة العمل تنظيمات جديدة لاحتساب الأداء الوظيفي للموظفين في كافة القطاعات، تحرص فيها على أن يتم هذا التقييم بطريقة آلية لا يتدخل فيها المدير أو صاحب المؤسسة، بحيث توضع بنود تقييم ترتكز على قياس ما قدمه الموظف للمؤسسة طوال العام الواحد، لا ما يشعر به رئيسه المباشر تجاهه. ويمكن تفعيل ذلك بوضع أيقونات قياس، تحدد لها درجات معينة، يتم احتسابها بما يتم تحميله من مرفقات أداء الموظف، التي تشمل (شهادات التقدير، الدورات التدريبية، الأنشطة، والمؤلفات...)، وغيرها من المرفقات، باختلاف الدوائر والمؤسسات، ويكون احتساب درجة التقييم النهائي آليا، لا علاقة للمدير ولا لصاحب العمل به، بل إن الموظف هو من يقوم بإدخال المرفقات بنفسه، ومن ثم يحتسبها النظام، ثم ترسل صور للمطابقة للجهة المعنية (ولتكن إدارة مستقلة، توظف من قبل الوزارة مباشرة، وتحمل اسم إدارة التفتيش والتقييم مثلا)، للتحقق من المرفقات.

إن فعلنا ذلك نجحت مؤسساتنا في قيادة التنمية الوطنية، وشعر الجميع بمسؤولياتهم حيال ذلك، فالمؤسسة جزء من الوطن وليست جزءا من ممتلكات المدير أو حتى صاحب العمل، ما دام هذا الأخير قد افتتحها من أجل التنمية، ووظفها في خدمة الوطن وأبنائه.