نشرت منظمة الصحة العالمية تقريرا عن أكثر المدن التي تعاني من التلوث الهوائي، ومن تلك المدن الرياض، وتعود معظم أسباب تلوث الهواء فيها إلى العواصف الرملية، إضافة إلى الملوثات الناجمة عن حركة النقل ومخلفات الصناعات.

وفي هذا الصدد يقول أحد الباحثين، إن أهم مصادر التلوث في مدينة الرياض تتمثل في محطات توليد الطاقة الكهربائية، ووسائل النقل المختلفة، ومصنع الأسمنت والجبس والكسارات.

وتشير بعض الدراسات في هذا المجال إلى وجود "أكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، والجسيمات الصلبة وبعض الملوثات الأخرى داخل مدينة الرياض بتراكيز عالية تتجاوز الحدود القياسية المسموح بها"!

كما تشير تلك الدراسات أيضاً إلى الآثار الخطرة لملوثات الهواء على صحة الإنسان، والتي ينتج عنها قصور في وظائف التنفس وزيادة في معدلات الوفاة بأمراض القلب والسرطان، فضلا عن التشوهات الخلقية والإعاقات على اختلافها، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية وإتلاف الممتلكات.

وعلى الرغم من وجود 7 محطات لمراقبة جودة الهواء في مدينة الرياض، اثنتان منها تابعة للهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة، والبقية تحت إشراف مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وتهدف إلى التعرف على مستويات تلوث الهواء في المدينة، إلا أنه لا توجد معدلات أو مؤشرات بيئية منشورة معلنة للجميع، وعند تصفح الموقع الإلكتروني للهيئة على شبكة الإنترنت، لا نرى إلا حالات الطقس فقط والتحذيرات المتعلقة بها!

فلماذا لا نرى تحذيرات بخصوص تلوث الهواء مثل تحذيرات هطول الأمطار وهبوب الرياح؟

وعلى الرغم من وجود الجمعية السعودية للبيئة، والتي تأسست عام 1427 بهدف تنمية البيئة السعودية، والعمل على تحسين أوضاع سكان المناطق والمحافظات التي تعاني مشاكل بيئية، إلا أن إنجازاتها لا تتعدى البرامج التوعوية، وإقامة الورش والندوات وبعض الحملات التطوعية، والتي لا تخرج عن إطار التوعية أيضا، وأعتقد أن كثيرا من المواطنين لا يعلمون بوجود هذه الجمعية، فليس لها دور يذكر في محاولة الضغط على الجهات الحكومية والخاصة للحد من التلوث، على الأقل خلال تسليط الضوء على المخالفات البيئية، ورفعها إلى الجهات المختصة على سبيل المثال.

صحيح أن تقلص وتراجع الوعي البيئي يعدّ أحد أسباب التجاوزات السلبية والمخالفات البيئية، إضافة إلى أهمية تعزيز مفهوم التنمية المستدامة، لكن الجمعية السعودية للبيئة بحاجة إلى إيصال رسالتها إلى أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، والمشاركة في سن القوانين البيئية، وتسليط الضوء على مشكلات التلوث بأنواعه، والضغط على الجهات المخالفة بشتى الوسائل، فجميع هذه الأمور تدخل ضمن إطار التوعية أيضا.

أما من الناحية التشريعية، فقد أصدرت المملكة الأنظمة والقوانين في مجال حماية البيئة ومكافحة التلوث، منها النظام العام للبيئة ولائحته التنفيذية، والتي تضمنت مقاييس ومعايير لحدود التلوث التي لا يمكن تجاوزها في الهواء وغيره من عناصر البيئة، كما أوضحت تلك اللائحة الغرض من المقاييس التي حددتها، وهو إيجاد أسس مناسبة لتقويم وتنظيم الأنشطة الصناعية والعمرانية في المملكة، بالطريقة التي تمنع الآثار الضارة بصحة الإنسان وسلامته، والحفاظ على بيئة المملكة بشكل عام.

وعلى الرغم من فرض إجراءات وقوانين مشددة لحماية البيئة، وفرض جزاءات وعقوبات صارمة على المخالفين للأنظمة والقوانين البيئية، تتمثل في فرض غرامات بملايين الريالات وكذلك السجن، إلا أننا لا نرى التشهير بالمخالفين أو على الأقل نشر إحصاءات بالمخالفين والعقوبات المفروضة عليهم في الوسائل الإعلامية.

وليس هذا وحسب، بل نرى على أرض الواقع التساهل في بعض الأحيان في تطبيق الأنظمة والقوانين البيئية، فعلى سبيل المثال تنص الأنظمة عند إصدار الترخيص الصناعي تقديم دراسة معتمدة للأثر البيئي للمصنع، ونظرا لارتفاع تكاليف مثل هذه الدراسات تحجم كثير من الشركات الصناعية عن تقديمها ومع ذلك يتم إصدار التراخيص لها، كذلك بالنسبة للجهات الحكومية، فقد نصت مواد النظام العام للبيئة على تقييم الأثر البيئي للمشروعات الحكومية وكثير من الجهات لا تقوم بتطبيق مقتضيات نصوص النظام، ولا يوجد من يحاسبها على ذلك!.

البيئة النظيفة الخالية من التلوث، تعد من الحقوق الأساسية للإنسان، فقد نصت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن "لكل فرد الحق في الحياة، والحرية وسلامة شخصه"، كما نص المبدأ الأول من إعلان البيئة الإنسانية على أن "للإنسان الحق الأساسي في الحرية، والمساواة والظروف الملائمة للحياة في بيئة من نوعية تسمح بحياة كريمة وبرفاهية، وهو يتحمل كامل المسؤولية في حماية وتحسين البيئة من أجل الأجيال الحاضرة والمستقبلة".

كما تضمنت رؤية المملكة 2030 هدف تحقيق استدامة بيئية، عبر الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، من خلال الحد من التلوث بمختلف أنواعه ورفع كفاءة إدارة المخلفات عن طريق مشروعات تمولها الصناديق الحكومية والقطاع الخاص، وبالتالي فإن التعدي على البيئة الهوائية والمائية والبرية، وتلويثها يعد تهديدا وخرقا لحق الإنسان في الحياة والسلامة.

من الضروري تفعيل القوانين البيئية لردع المخالفين والملوثين، وزيادة الدراسات العلمية والأبحاث البيئية، وتوفير المعلومات والبيانات الإحصائية التي تعاني نقصا حادا في هذا المجال، ويقع على عاتق الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة متابعة الرقابة والتفتيش وضبط المخالفات التي تشكل تعديا على البيئة، ونشر المعدلات والمؤشرات التي يتم تجاوزها بالنسبة لملوثات البيئة، واتخاذ التدابير الرادعة، فالمشكلات البيئية لا يمكن مواجهتها بغير تدخل الهيئة، ويبقى الإعلام البيئي أهم الوسائل في العصر الحديث لنقل الصورة الحقيقية والواقعية عن التلوث البيئي والتوعية ونشر الثقافة البيئية، ومسؤولية المحافظة عليها.