"أروع البشر هم الذين تكون ردة فعلهم المباشرة هي الابتسام عند التقاء الأعين".

لا أتذكر صاحب هذا الاقتباس لكنه دائما يخطر ببالي عندما يبخل أحدهم بابتسامته أو يرد الابتسامة بنظرة استغراب باردة تجعلك تفكر (ترى هل من شيء عالق بأسناني)؟

قرأت في إحدى الدراسات أن الابتسامة نشاط معدٍ مثل التثاؤب! عند رؤيتنا شخصا يبتسم تنشط المنطقة المسؤولة عن حركة عضلات الوجه في الدماغ، مما يجعلنا نبتسم. الجميل أن ديننا يحثنا على الابتسامة فيقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وأزعم هنا أن صدقة الابتسامة ينتفع بها المبتسم أولا لأن لها وقعا كبيرا على صاحبها من تهدئة للأعصاب وخفض للتوتر ورفع الثقة بالنفس وتسويق جيّد لشخصيته حتى قبل أن يبدأ بالكلام. الشخص المبتسم غالبا أقدر على إقناعنا بوجهة نظره، أو بيعنا منتجه لأن هذه الانحناءة الأنيقة على وجهه تجعله ببساطة أكثر جاذبية وأجدر بالثقة. الابتسامة هي رسالة سلام لمن لا نعرفهم، ورسالة اهتمام لمن يحتلون حيزا في حياتنا! ثم ألا يكفيك أن نبيك -صلوات الله وسلامه عليه- لم يكن يرى إلا مبتسما!

قرأت لأحد المهتمين بعلم البرمجة يوما رأيا حول عدم تفريق عقولنا بين الابتسامة الصادقة أو تلك التي يتظاهر بها صاحبها. عندما نبتسم تظن عقولنا أننا على ما يرام، فنصبح على ما يرام! وبغض النظر عن صحة هذا الرأي من عدمه فأنا أعتقد أننا لا ينبغي أن نتوقف عن الابتسام مهما تعقدت أمورنا الشخصية! فالتقطيب لن يحل أي أمر، بل سينقل مشاعرك من مساحتها داخل نفسك إلى الآخر، وقد يجعلك هذا في مواجهة معه! ثم إن الآخر لا علاقة له غالبا بالأمر الذي دعا لالتقاء حاجبيك ابتداء!

هل جرّبت شعور الراحة والسعادة بعد تمرين جسدي شاق كالجري أو التمارين الرياضية؟ هذا الشعور بـ(خفة الروح) إن جاز التعبير، والذي ينتج عن إطلاق مادة الأندروفين الكيميائية المسؤولة عن تحسين المزاج يمكن الحصول عليه عبر ابتسامة متبادلة عابرة نستشعر صدقها. ليس هذا فقط بل الابتسامة تمنحنا فعليا القدرة على المقاومة من خلال تقوية جهازنا المناعي وتشجيعه على تصنيع كريات الدم البيضاء، وهذا ما أثبته باحثون في مستشفى للأطفال المصابين بأمراض مستعصية، إذ راقبوا صحة الأطفال الذين استقبلوا زوارا مرحين! وجد الباحثون تحسنا ملحوظا في نظام الأطفال المناعي إلى الأفضل بعد جرعات الابتسامة والمرح.

إذا كنت قائدا فاجعل الابتسامة جزءا من طبيعتك، تشير عدة دراسات إلى أن البشر يثقون أكثر بالقادة المبتسمين ويحرصون على الاستمرار في فرق العمل التي يقودها شخص منبسط الأسارير. حاول الآن أن تتذكر أفضل قائد مرّ عليك ويغلب على ظني أنه لن يكون من النوع المتجهم. الناس تحتاج إلى قائد يخبرها بأن المهمة الصعبة قابلة للإنجاز، وهو يرتدي ابتسامة واثقة، فالتجهم لا يمنح أيا كان قيمة أعلى.

ومع أخذ كل ما سبق بعين الاعتبار، تظل الابتسامات المشردة أكثر ما يحيرني عندما أتأمل سلوك البشر! الابتسامة كالإنسان تحتاج إلى بيت أولا قبل أن تخرج للتنزه! إن أي ابتسامة يضنّ بها صاحبها على أهل بيته أو المقربين منه ثم يمنحها عابرا في الطريق أو زميلا في العمل هي ابتسامة مشرّدة لا عنوان لها، وسينتهي بها الأمر ملقاة في زاوية ما! الابتسامة المشردة لن تشع من عيني صاحبها لأنها لا تصدر من قلبه، بل هي قوس فارغ من المعنى ولا يتكئ على روح. تفقد بحرص عناوين ابتساماتك فالابتسامات المشردة تطارد أصحابها حتى تتركهم بلا سبب للابتسام، ولا تنس في خضم انشغالك أن كل روح خلقها الله تعالى تحتاج ابتسامة تأوي إليها.