عجيب أمر التمادي في عدم الرغبة في فهم الواقع، أو فهم سماحة الدين.. غردت فخورا بزيارة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف فضيلة الدكتور أحمد الطيب لقداسة البابا فرانسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، يوم الإثنين الماضي، فقامت دنيا من لم يستوعب، ولم تقعد؛ بعضهم توقف عند الألقاب، وبعضهم غاص في النيات، وبعضهم جاء بنصوص لم يعرف فقهها، والقائمة تطول..
الحقيقة أن هذه العقول وبعد الاستماع إلى تعقيباتها كانت تحتاج لأدلة مادية في البداية، تبين إدراك عقلائنا لأبعاد سماحة الدين؛ فغردت تباعا وبأثر رجعي عن زيارة ملك التسامح، الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ للبابا بنديكتوس السادس عشر، عام 2007، ثم رجعت إلى زيارة سلطان السماحة، الأمير سلطان بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ للبابا يوحنا بولس السادس، عام 1997، وختمت بلقاء ملك الحكمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ للبابا تواضروس، قبل أقل من شهرين؛ والمحاور المشتركة في كل ما مضى هو الدفاع عن القيم الدينية والأخلاقية، وأهمية الحوار بين الثقافات والأديان، ومساهمة أتباع الديانات في النهوض بالتفاهم بين البشر والشعوب؛ وبطبيعة الحال، هرب المعترضون على زيارة الإمام الأكبر من التعليق على زيارات قادتنا للباباوات، وهؤلاء، يقفون عن التمادي عندما تأتيهم بأدلة مادية، وزاد خوفي من صمت الهاربين، فالصمت هنا أشبهه بالنار تحت الرماد..
الزيارة التاريخية للإمام الأكبر، شيخ الأزهر، رئيس مجلس حكماء المسلمين للبابا جددت النداءات الفعلية الحكيمة لمن سبق، وهي وإن كانت كذلك، فقد أصابتني بالحزن على استدلالات بنصوص وآراء لا يمكنها مصادمة كلام ربنا الواحد الديان، الذي يأمرنا بالتوجه إلى أهل الكتاب بقوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، كما يأمرنا سبحانه بقوله: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، فليس لأي منا طاعة الآخرين فيما فيه مخالفة لأمر الله، ولا تعظيم إلا لله، والأديان تتبع بالحب لا بالإكراه..
المسلمون اليوم ثلث العالم، والمسيحيون أكثر من نصفه، ثم يأتي المعترضون ويقولون ما يقولون، مغفلين تماما أنه بدون حُسن العلاقة بين مجتمعات الدينين؛ لا سلام ولا وئام؛ فيا ليت المعترضين يدركون أن إنكارَهم استساغةٌ للنزاع والدمار، وأنهم من أسباب عدم انسجام الناس، وأخيرا ليت الجميع ينصت بعقل إلى الآية (48)، من سورة المائدة.