لم يكن هناك ما يشغل قريش أثناء إدارتهم لخصومتهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل صيغة التهمة التي ينالون بها من شخصه الكريم. فقد دام منهم التمالؤ والتواطؤ على ما يؤدي إلى حجب الناس عنه قبل أن يسمعوه. فذهبوا إلى اتهامه بالكهانة والشعر والسحر وحتى الجنون، ساعين بذلك إلى تنفير الناس عنه، ثم تنفيرهم عمّا يقول.

هذا في الوقت الذي كان ديدنه -عليه الصلاة والسلام- تكراره الدعوة إلى أن يخلّوا بينه وبين الناس، ونهجه المطالبة ببرهانهم إن كانوا صادقين.

يتجلى لنا هنا نمطان من الجدال منعكسان عن نمطين من التفكير يحملهما الكائن البشري في وجدانه: أحدهما يعتمد على المغالطة، والآخر يعتمد على الاستدلال.

تسمى المغالطة الكامنة في النمط الأول الذي اتبعه كفار قريش "مغالطة المنشأ"، وهي مغالطة تعتمد على الوهم الإنساني الذي يصور فساد الفكرة بناء على فساد صاحبها أو مصدرها. وهو أمر باطل في الحقيقة، إذ إن الفكرة تعتمد في صوابيتها على ما تعتمد عليه من الأدلة ليس إلا. يبدو هذا "بالاستناد إلى السيرة" أنّه كان معروفا تماما لدى دهاة قريش، ولكنهم مع هذا عمدوا إلى توظيف ما يعرفونه من غفلة أغلب الناس عنه، في سبيل الوصول إلى غايتهم في إفشال الدعوة المكية الوليدة.

يميل سلوك الذهن البشري في الأحوال العادية إلى الاقتصاد في الجهد، وأخذ الأيسر من الخيارات عند توافره، ولذلك يجنح أغلب الناس إلى قبول الأفكار باعتبار مصادرها لا أدلتها الذاتية، فهو أكثر تلاؤما مع تراخي أذهانهم، خصوصا عندما يكون الأمر غير متعلق بما يجربونه في معاشهم اليومي المباشر، أو عندما يحوي بعض التعقيدات التي لم يألفوها.

يذهب علم النفس التطوري إلى أن لذلك صلة بتجارب الإنسان القديم مع البسائط الحسية، حيث يظهر دور المصدر على ضرر الأشياء أو نفعها، وأن سحب الإنسان لهذا التصور معه إلى عالم الأفكار والمجردات ما هو إلا لصعوبة تخلصه من بقايا التفكير البدائي بشكل كلي. كما يذهب علم نفس النمو أن هذا منبعث من نشأة الإنسان في طفولته، معتمدا على توصيات والديه وتحذيراتها، حيث يعمدان في الغالب إلى استعمال طريقة يسهل على ذهن الطفل تصورها عندما يربطان في ذهنه بين الخطر ومصدره المعتاد، كتحذيره من زجاجات الأدوية ومقابس الكهرباء على سبيل المثال.

تتلازم "مغالطة المنشأ" مع غياب العقل التجريدي الناقد، وشيوع الطبقية المعرفية، فهي سبب لهما ونتيجة في الآن ذاته. عرف هذا زعماء قريش بشكل عملي وسعوا إلى تكريسه، واستغلوا هذه الظاهرة باستعمالها في أبسط صورها، وهي أن يشوهوا سمعة صاحب الرسالة، لينصرف الناس عنها قبل أن يخوضوا معترك أدلتها من الأساس.

ولكن، لأن كثيرا من أولئك الزعماء كانوا ذوي أنفة يخشون معها نسبة الكذب "المباشر" إليهم، فإنهم كثيرا ما كانوا يلقون بهذه المهمة إلى السفهاء، فينالون من خصمهم بالنكاية والتشنيع.

يعتمد النمط الثاني على الاستدلال وطلب النزول إلى البراهين ومراجعة المألوفات، وهو الطلب الملخص في: "قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى? وَفُرَادَى? ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا".

أُثير في كثير من أوساطنا المحلية في السنوات الأخيرة ما يتعلق ببعض المباحث الفقهية الفرعية "في نظري"، وانقسم الناس في ذلك كالعادة في رؤاهم وتصوراتهم.

كان الشيخ "عادل الكلباني" والشيخ "أحمد قاسم الغامدي" من أشهر من ارتبطت أسماؤهم بإثارة مثل هذا النوع من القضايا في السنوات الأخيرة، وصعد مؤخرا اسم الشيخ "صالح المغامسي" كطرف جديد يطرح اسمه هذه الأيام بناء على فتواه في الموسيقى.

اختلاف الرؤى أمر صحّي، بل ضروري لا يمكن فصل وجوده عن وجود الجنس البشري نفسه. ولكني كمواطن أعيش ضمن نسيج هذا المجتمع من حقي أن أعبر عن استيائي تجاه ما لحق بالكلباني والغامدي من قبل، عندما انشغل أغلب خصومهما بالنيل من شخصيهما، وانصرفوا عن مناقشة أدلتهما، وهذا ما أخشى تكرار وروده مع المغامسي الآن، ومن المؤسف أن بعض بوادره قد لاحت بالفعل.

من حق الجميع أن يرد على مثل هذه الرؤى، ولكن داخل أجواء موضوعية ترتكز على الأدلة. وليس بالاعتماد على "مغالطة المنشأ" التي تقوم على احتقار كامن لوعي الإنسان وحريته التي قام عليهما تكريم بني آدم وتكليفهم.

أرجو أن يتذكر كل من ينوي نقاش مثل هذه القضايا، إن كان دافعه دينيا حقا، أهمية أن يجعل من نفسه امتدادا لنهج النبوة لا نهج مخالفيها.