لا أعرف بالضبط كتلة أو حجم الحراك الثقافي والسياسي اليمني المناوئ تضليلاً للمواقف السعودية مع اليمن الشقيق ولكنني أشعر بالأسف الشديد وأنا أتابع ـ إلكترونياً ـ محاولات تجييش الرأي العام اليمني ضد المملكة في أعقاب كشف السلطات السعودية لطرود التفجير الأخيرة. وبكل تأكيد فإن هذا قدر الخريطة العربية، لأن البلدان التي تستطيع أن تعيش بكفاءة على مواردها دون الحاجة لأحد ستظل أسيرة للأوضاع في البلدان المجاورة، وفي العالم العربي حين يشعر بلد بالاضطراب تذهب النخب القومية واليسارية وحتى الدينية إلى تحميل المسؤولية على البلدان المستقرة المجاورة. ويعرف الأشقاء في الحكومة اليمنية وفي صناعة القرار اليمني أن الخدمة الأمنية التي أنقذت بها السعودية قصة إرهاب مجلجلة لا تمثل مجرد اختراق نوعي لعدو اليمن الأول من التنظيمات المارقة بقدر ما تمثل نجاة لوطن كامل من أن يكون في بؤرة الاستهداف العالمي لو أن مخطط الطرود المتفجرة مضى إلى حلقاته الأخيرة المستهدفة.
والقصة السعودية اليمنية الكبرى هي في الحدود المفتوحة الطويلة بآلاف الكيلومترات. هذه الحدود الطويلة لا تمثل مجرد خاصرة رخوة جداً في الجسد السعودي بقدر ما تشكل تهديداً مفتوحاً لكل السياقات الأمنية والاجتماعية السعودية ومثلما وصفها تقرير صحيفة ـ نيويورك تايمز ـ بأنها أخطر حدود بين بلدين متجاورين في هذه اللحظة. وقبل أن تباشر هذه النخب اليمنية حملات التجييش ضد المواقف السعودية فإن لها أن تدرك أن اليمن مجتمعاً ودولة مسؤولان عن بسط النفوذ والسيطرة على هذه الحدود. الفوارق المذهلة في قدرة الدول على السيطرة على الشبر الأخير تشير إلى مكامن الخلل، وخذ هذا من الأمثلة الصارخة ما بين الطوال وحرض أو علب وصعدة أو نجران والجوف اليمنية. قمة الفوضى هي أن تجد النظام كاملاً على طرف ثم النقيض على مسافة رؤية العين المجردة. أن تبيع السلاح في أسواق شعبية رسمية فيما العقوبة الصارمة على هذه الممارسة على أقل من مسافة طلقة رصاص واحدة. أن تتحول الحدود في جانب إلى أكبر عملية تهريب للمخدرات والممنوعات بمجرمين معلنين في جانب من الحدود مقابل حرس حدود لا يمكن له تغطية هذه الآلاف من الكيلومترات الحدودية في الجانب الآخر. هذه هي الأسئلة الملحة التي تنتظر الجواب من نخب اليسار أو اليمين اليمنية التي تملأ فضاءنا اليوم بلغة الردح التي كان لها أن تناقش هذه الفوضى العبثية بدلاً من أن تنتظر من الجانب الآخر على الحدود أن يغامر بالسكوت بينما هو مسؤول عن سلامة شعبه.