لم تحدد بعد طبيعة عمل "هيئة الترفيه" ولا صلاحياتها، لكن تسميتها المرتبطة بالترفيه تفتح شهيتنا لترقب مشاريع ترفيهية عملاقة؛ يستحقها المواطن، وتستوعبها إمكانات الوطن ومقدراته. ومن المتوقع "وفق شهيتنا النهمة للتطوير" أن تنافس تلك المشاريع أسماء لامعة في عالم الترفيه عالميا، مثلما من المتوقع أن تتحقق في هذا العهد المبارك كثير من الأحلام الترفيهية المرتبطة بالمسرح والسينما وغيرهما من مجالات الترفيه.
كل تلك المشاريع المرتقبة مهمة لرفاهية المجتمع ولدعم السياحة أيضا، لكن الأكثر أهمية الآن هو النظر في واقع الترفيه الحالي عندنا ومراجعته؛ لأن المراجعة المستمرة، والاعتراف بالقصور، والوقوف على مواطن الخلل ومعالجته، يجعل الخدمة الترفيهية تتطور، وتكتسب ثقة المستفيد؛ ما يدعم الاستثمار في الترفيه ويتيح فرص السياحة المحلية.
إن مجرد النظر في المرافق الترفيهية عندنا، يكشف عن جوانب غير قليلة من القصور، ربما يأتي الحديث عنها في مقال لاحق، لكن أشد أنواع القصور إثارة للانتباه هو خطورة تلك المرافق على مرتاديها؛ فالترفيه عندنا، من خلال عدد من مرافقه، يشكل خطرا يتهدد الصغار والكبار؛ لا في المشاريع العشوائية الصغيرة فحسب، بل حتى في المدن الترفيهية الكبيرة، وإن كنّا سنقصر الحديث هنا -طلبا للتركيز- على الأولى دون الثانية.
ظاهرة المشاريع الترفيهية العشوائية ظاهرة خطيرة، تجعل من الترفيه مخاطرة غير محسوبة العواقب، ففي المناطق الصحراوية مثلا تنتشر لعبة الدراجات التي يركبها الكبار والصغار؛ ينطلقون بها في عرض الصحراء، يعتلون المرتفعات ويهبطون المنخفضات، ويخرجون إلى الطريق العامة أحيانا دون رقيب ولا حسيب.
هذه اللعبة العشوائية التي تخصص لها أماكن محددة تخضع للرقابة والصيانة، تفتقد اشتراطات السلامة والإنقاذ، مثلما أنها لا تضبط بفرض غرامات على المتنزهين المخالفين، ولا على أصحابها الذين يستهينون بأمر السلامة، ما يجعلها لعبة موت يرقد بسببها العشرات في المستشفيات سنويا.
مثل ذلك يمكن أن يقال عن المسابح في الاستراحات التي يذهب ضحيتها عدد من الأطفال والمراهقين كل صيف، وكذلك الحال بالنسبة لملاعب كرة القدم التي تؤجر على الشباب من بعض الملاك، ولا تُهيّأ بالشكل المناسب؛ فالأرضيات مغطاة بنوعية رخيصة من الحشائش لا تحمي من الصدمات، ولا تحد من حصول الكسور المضاعفة.
كل تلك المخاطر في الترفيه تجعل الجهة المختصة أمام مسؤولياتها، فالدبابات تحتاج إلى تهيئة مناطق محددة، مسيجة وخاضعة لاشتراطات السلامة، قد تعدها الهيئة وتؤجرها على المستثمرين، أو تطالب من يريد أن يشتغل في هذا المجال باستئجار أرض وتهيئتها وفق اشتراطات معينة. مثلما يجب "وهو المتبع في دول العالم" أن يرافق الصغار دليل مختص، يسير أمامهم ويحدد لهم الأماكن الصالحة للسير وغير الصالحة. ولا بد أخيرا من توافر الخوذات والملابس الواقية من الصدمات، وتوافر العقود بين المتنزه المستفيد من الخدمة، وصاحب الخدمة؛ تحدد مسؤوليات كل طرف.
المسابح في الاستراحات أيضا تحتاج إلى اشتراطات سلامة غائبة، أهمها وجود المنقذين؛ رجالا ونساء، وهذا يعني ضرورة العمل على تأهيل عدد من الشباب، الراغبين في العمل بوظيفة "منقذ" من الجنسين، في معاهد أو دورات تدريبية تنظمها الهيئة، ثم يتعاقد معهم ملاك الاستراحات؛ ويصبح وجود اسم المنقذ والمنقذة في العقد شرطا لازما للتأجير.
أخيرا، يأتي دور ملاعب كرة القدم التي لا بد أن تخضع لاشتراطات السلامة المعروفة دوليا في لعبة كرة القدم، بحيث تكون المسطحات الخضراء ذات مواصفات جيدة، معتمدة من الهيئة ومن الجهات المختصة، مثلما يجب أن يجبر أصحابها على كتابة عقود يومية أو أسبوعية أو شهرية، يوضح فيها اسم المستأجر، ورقم هويته، وأسماء الأشخاص الذين يستخدمون الملعب وأعمارهم، بحيث يعرف كل طرف مسؤولياته كاملة.
وضع مثل تلك الاشتراطات للألعاب داخل المرافق الترفيهية وخارجها سيمنح المتنزهين إحساسا بالراحة والأمان، ويجعل النزهة متعة حقيقية لا تنتهي بكارثة مأساوية.