الوقت الذي تزدهر فيه سوق تجارة الأوهام هو وقت وجود الواهمين أو الواهمات المعزولين عن حركة الحياة؛ فبداخل عقولهم ما يسيطر على تفكيرهم ويوجه نظرتهم للأمور إلى شر مغيب عنهم ينسبون له ما يحدث لهم من فشل أو عجز أو مرض..هؤلاء ليسوا قلة بل كثرة نعرفهم ونرى أن الانشغال أصبح هناك من يمتهنه ويثري كما لم يثر مشعوذ عبر التاريخ بالنصب والاحتيال مسوقا لنفسه عبر مواقع التواصل فيكتب معرفا بنفسه أنه يفسر الأحلام ويفك السحر ويزوج المطلقة والعانس..وهذه في ظنه أهم ما تبحث عنه المرأة خاصة، فيلاحق الحسابات النسائية على مواقع التواصل ليعرض بضاعته، بينما قال لبيد بن ربيعة العامري:

( لَعَمْرُكَ ما تَدري الضَّوَارِبُ بالحصَى

وَلا زاجِراتُ الطّيرِ ما اللهُ صانِعُ)

وقول لبيد عمره خمسة عشر قرنا يفترض أن العلم والوعي والتواصل التقني أزال هذه الخرافات، لكنها للأسف تستغل كل ما يمكنها من وسائل لبث رسائل الاستغلال التي تبتكرها!

تجار الوهم غالبا أناس يبحثون عن الثراء لأنهم فشلوا في الحصول على دور حقيقي فاعل في الحياة أو لم يجدوا مصدرا جيدا للدخل يرضي تطلعاتهم، ويملكون موهبة في التمثيل وجدت لها متنفسا في رغبة غيرهم في اقتحام المستقبل ومعرفة ما سيحدث من خير أو دفع ما سيمر من شر، فالموهوم حالم كصناع السينما وكتاب الروايات بآلة الزمن التي يرى رافضوها أن لو كانت ممكنة لرأينا اليوم زوارا من المستقبل، وما دام أن هذا لم يحدث فلن يتم اختراع هذه الآلة أبدا!

لكن كون الإشراف على الماضي أو المستقبل رغبة فضولية في خيال فنان فهي عند بعض الناس قد تكون معايشة لأوهام ممرضة، فالأحلام وتأويلها قد يكون هربا من مجابهة واقع لا يقبله الإنسان لنفسه، ولو أفقنا من أحلامنا الوردية التي نستدعيها أحيانا لنعمل على إصلاح حياتنا لكان هذا هو الأفضل.

في الفيلم السينمائي السعودي الأشهر لهيفاء المنصور وجدة حكاية حلم فتاة صغيرة بامتلاك دراجة وحكايات فتيات ونساء اختلط بعضها ببعض بشكل يشبه اختلاط الأولويات عند النساء اليوم.

هذا الفيلم خاض صراعا تخوضه المرأة على أرض الواقع وهي تحاول إثبات وجودها والحصول على حقوقها، وجدة شجاعة لم تحلم وتبحث عن مفسر لحلمها وتأمل بل استمرت وكثيرات اليوم يضرب بهن المثل فعلن الكثير ليصلن إلى ما وصلن إليه من مكانة اقتصادية وثقافية وسياسية، والأمثلة كثيرة للواعيات المنخرطات في العطاء في كل مجال؛ والنظر لمجالات تعليم المرأة وعملها يبين ما سبق، فلم يسمح للمرأة بعمل وفشلت في القيام به؛ ولم يتح لها مجال للدراسة إلا وأثبتت وجودها فيه.

حرية التعبير عن الرأي من أهم ما تملكه امرأة اليوم الأستاذة الدكتورة فوزية البكر من النساء اللواتي كان لهن تاريخ مشرف في الكتابة وتمثيل النساء التمثيل الذي ينطلق من علاقة تكاملية دور المرأة مع دور شقيقها الرجل أشارت في ورقة عن الحركات النسوية ألقتها الأسبوع الماضي في حلقة الرياض الفلسفية إلى ما سبق، وهو (أن المرأة تسابق الرجل وقد تسبقه أحيانا في بعض المجالات التي تأخر خوضها له مثل التعليم). وأتفق مع ما طرحته الدكتورة فتعليم الكبيرات ومحو الأمية فضلا عن التعليم العام نموذج لبرامج أثبتت المرأة بها نفسها مهما تقدم العمر وقست ظروفها والتزاماتها العائلية مما جعل مقطع يوتيوب لابن إحدى خريجات تعليم الكبيرات ينحني مقبلا قدم أمه لحظة خروجها، وهو انحناء مستحق لامرأة عظيمة ربت ابنا عظيما. أم تعلمت على كبر وأذكر أننا في صفوف دراستنا الأولى كنا نزامل البنت وأمها.. اليوم تجاوزت المرأة عقبات كثيرة سافرت وتغربت للعمل في المدارس النائية، وجابهت الحوادث وطالبت بحقها في الحصول على وظيفة وأوصلت نماذج من الخريجات والبديلات رسالتهن ونلن حقوقهن وحقوق غيرهن بطرق مشرفة حين لم يركن للانتظار.

تحية للمرأة في بلادي في كل مكان داخله تعمل لحياة أفضل في منزلها أو خارجه، وتحية خاصة للمغتربات المبدعات اللواتي يكملن كفاحا بدأ على أرض الوطن ويجابهن الجهل بالتعلم والغربة بالصبر حتى لمعت منهن أسماء كتبت بحبر الخلود في ذاكرة العلم والعطاء.

أخيرا تفصلنا ساعات عن شهر الصوم والعطاء والإحسان، فكل عام وأنتم بخير، وأعانكم الله على القيام بحق الشهر خير قيام، وتذكروا من تحبون وأريحوا نساءكم من التكلف المخالف لغاية الصوم، أعاده الله على الجميع باليمن والبركة، ورحم من مات ولم يدركه.