بناء على علم الفلك، واعتمادا على توقعاته، سيولد هلال رمضان ضحى هذا اليوم، وسيحدث اليوم الاقتران أو المحاق -ولادة الهلال- قبل غروب الشمس، وسيغيب القمر بعد غروب الشمس في جميع الدول العربية والإسلامية، وسيمكث الهلال بعد الغروب وقتا يسمح بإعلان الشهر، في مكة المكرمة سيغيب القمر بعد 22 دقيقة من غروب الشمس، ويكون عمره 13 ساعة و4 دقائق، وسيتراءى الهلال باستخدام التليسكوب، وباستخدام تقنية التصوير الفلكي لجملة من الرائين، ويعلن بداية الصوم -إن شاء الله- غدا، وسيهنئ الناس بعضهم بعضا بدخول الشهر، متمنين على الله أن يكثر لهم من وافر البركات.

كثير من المتحمسين يريدون من الناس أن يعيدوا شهر رمضان الذي عاشه سيد الوجود -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام -رضوان الله عليهم-  بالتمام والكمال؛ وهذا وإن كان مرغوبا فيه، إلا أن الوصول إلى صورة طبق الأصل منه تكاد تكون من الأحلام، إن لم نقل من المستحيلات.

أنا لا أقصد أن يكون رمضاننا عاديا، لكني أقصد أن نطلب من الناس ما يطيقونه، وفقا لواقعهم الذي تغير كثيرا عما مضى، وتبعا لظروفهم المختلفة تماما عما سلف؛ فالتركيز على القليل المستمر في رمضان، أولى من غيره؛ وهذا القليل له نماذج كثيرة، من ضمنها تلك الكلمات الواعية لمفتي دمشق في حينه موسى بن سليمان الأشدق -رحمه الله- وينسبها كثير من غير المتبحرين في صنعة العلوم الشرعية إلى سيدنا جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- وهي "إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء".

كلمات لا يتعب الإنسان في البحث عن تفسيرات لها؛ ببساطة شديدة، مجرد الوصول إلى رمضان، بما فيه من خيرات متوالية، ومضاعفات معلنة، نعمة كبيرة، وفي نفس الوقت حمل عظيم. رمضان قيمة كبرى، فلا يليق أن يساويه الواصل إليه بغيره من الأيام، ولا بد أن يكون العطاء الذاتي فيه مختلفا، وفي نفس الوقت مميزا.  

شهر رمضان المبارك يقدم أعظم فرصة للإنسان كي يغير من ذاته، ولكي لا يكون في أيام رمضان كما كان في قبله، بل أن يكون في اليوم الثاني أفضل من اليوم الأول، وفي الثالث أفضل من الثاني وهكذا، وليس أن يهتم بأوله، ثم يفتر عزمه في أواخره؛ وقد ورد في الأثر، وليس بحديث "من استوى يوماه فهو المغبون". اللهم وفر حظنا من التوفيق.