انتهى غالب الأندية الأدبية من التسجيل في الجمعيات العمومية على اعتبار التمهيد لعملية الانتخابات التي سوف تجرى خلال الأشهر القادمة، ورشح العديد من المثقفين في غالب المناطق أسماءهم للانضمام إلى مجالس الأندية. وقد حصل في بعضها وتحديدا في حائل كما نشرته "الوطن" سابقا أن التحشيد القبلي كان حاضرا، حيث وصل عدد المسجلين إلى قرابة الأربعمئة مسجل رغم أن حضور النادي فعليا لا يتجاوز الأربعين إذا أحسنا الظن في أنشطته العادية.

ومن خلال معرفة نوعية المسجلين في اللجان العمومية والمرشحين لأنفسهم يمكن معرفة ملامح مجالس الإدارات القادمة للأندية، رغم أن الحكم ما زال مبكراً، ومن المهم عدم الاستعجال في إطلاق الأحكام في الفشل أو عدمه إلا بعد مرور عدة أشهر وتقييمها بشكل إيجابي أو سلبي، ويمكن كذلك تصحيح أشياء كثيرة لو كان القائمون على الأندية لديهم النية والرؤية السليمة في تصحيح المسار الثقافي في أنديتهم. رغم أن الواقع يحاول التنبؤ عكس ذلك، فمهما كانت النوايا سليمة في تصحيح المسار فإن افتقار الرؤية هو الذي يقود في البداية إلى الخلل.

ويمكن قراءة مشكلة الأندية الأدبية من خلال تقييم وقراءة المرحلة الأولى من الانتخابات في الفترة السابقة، أي قبل أربع سنوات، أو خمس، حصل لغط واعتراضات كثيرة سرعان ما انتهت، وكان اللغط يدور في التشكيك بنزاهة الانتخابات، والتدخل من قبل وزارة الثقافة في فرض أسماء بعينها، رغم أن المسؤولين كانوا يؤكدون استقلالية الأندية، وما على الوزارة إلا الإشراف وتنظيم الانتخابات فقط، في حين كان عدد من المثقفين يرون أن المشكلة تتعدى إلى أبعد من ذلك، حيث إن الخلل في اللائحة نفسها التي كانت مطاطة أكثر مما ينبغي، وسمحت بدخول أناس لا علاقة لهم بالثقافة. آخرون أيضا طالبوا بمقاطعة الانتخابات بسبب عدم استقلالية الأندية في العمل أو في الانتخابات.

في المرحلة السابقة كان غياب المثقفين البارزين في المشهد الثقافي في المناطق واحدا من أهم المشاكل التي ظهرت في انتخابات الأندية، حيث إن الكثير من المثقفين البارزين كانوا خارج المسألة الانتخابية، إما عزوفاً شخصياً، أو سقوطاً ذريعاً في نتائج الانتخابات، فلماذا عزف بعض المثقفين عن المشاركة من الأساس؟ ولماذا سقط أثناء المشاركة؟ هل كان المثقف يعي أن المرحلة ليست في صالحه من الأساس، فكان هذا العزوف حفاظاً على ماء الوجه بدليل سقوط بعض الأسماء البارزة في المشهد الثقافي؟ أم أن سقوطه كان المسمار الأخير في نعش الكاريزما الثقافية التي كان يعول عليها؟

وبالعودة إلى فكرة التحشيد في الأندية الأدبية فإن الإشكالية في الأصل تعود إلى عمومية في التسجيل تسمح بوجودها اللائحة، وسبق وأن طالب مثقفون بتعديلها ولم تفعل الوزارة إلا أن أعادت اللائحة القديمة مع بعض التوسيع أيضا، ولو نظرنا إلى الأمور بشكل أوسع فإن هناك مشكلة أكبر في الفكر العربي بشكل أعم وليس فقط في الأندية الأدبية من وجود القبلية والفئوية والحزبية، وغيرها المر الذي يقود إلى عملية تحشيد في كل الاتجاهات وليس فقط في بعض الأندية الأدبية.

المسؤولون عن خلل الأندية عديدون منهم المثقفون أنفسهم، فالاعتراضات أثناء صياغة اللائحة كان كبيرا ولكن لم يتم الالتفات إليها لا من بعيد ولا من قريب، وكل التأجيل الذي حصل لصياغة اللائحة والتعديلات لم يمس إلا جوانب ليست ذات أهمية.

ما يحصل في الأندية هو ما يحصل في غيرها ذاته، فإذا كان هناك نوع من التحشيد القبلي في بعض الأندية، فإن هناك عزوفاً في بعض الأندية الأخرى، والعزوف عن انتخابات الأندية من قبل الناس هو العزوف عن الانتخابات البلدية ذاته، وله دلالة كبيرة من قبل واقع متغير وواعٍ، حيث عدم الثقة في الجهات والمؤسسات من قبل الناس لضعف أدائها، فالواقع مختلف تماماً عن هموم المؤسسة  سواء كانت ثقافية أو اجتماعية.. شخصياً أعتبر أن المرحلة القادمة لن تكون كما نرجوها، بل إنها تتشابه إلى حد كبير بالعمل السابق، لذلك لا أعول على الانتخابات في الأندية ما دام أن الخلل في الأصل موجود في اللائحة، لذلك سوف تتكرر كل أخطاء المرحلة السابقة دون الاستفادة من التجربة السابقة وتعديلها، فالخلل في رأيي ليس في وصول أناس عن آخرين في الأندية الأدبية بالتحشيد القبلي، وإنما في قيمة ما سوف يقدمه الذين فازوا في الانتخابات، فحتى لو كانت الانتخابات نزيهة ومن غير تحشيد أي حتى إذا فاز المثقف فإني أشك أنه سوف يستطيع عمل شيء لأنه خارج مفهوم الحراك الحديث، كما أن غالب الأعمال المقدمة لا تنم إلا عن وجهة نظر المثقف وحده الذي لن يستطيع الثبات أمام الطوفان الاجتماعي الذي تجاوز في بعض أموره أفكار المثقف، فالخلل في عدم نظرتنا لمستوى التحولات الكبيرة التي تتحرك في واقعنا، وهذا الخلل حاصل بشكل كبير لا على مستوى المؤسسات ولا على مستوى الأفراد.