خلال الأسابيع الماضية كتبت سلسلة مقالات متعلقة بالشأن الصيني، عن أهمية العلاقات السعودية الصينية، وعن اتفاقيات الصين لإحياء طريق الحرير الصيني القديم، ودور جسر الملك سلمان في ذلك، وعن ضرورة تعلم اللغة الصينية، وكيف أن بريطانيا سبقتنا إلى تعلمها بخطة لابتعاث 50 ألف معلم إلى الصين لدراسة لغتهم، ومن ثم استهداف 400 ألف مواطن بريطاني على الأقل يجيدون اللغة الصينية، وكتبت أيضا عن نجاحات العلاقات العربية الصينية الاقتصادية والسياسية، وعن أسباب القصور في العلاقات الثقافية، وغيرها من المقالات، وبعد كل مقال من تلك المقالات أجد بعض القراء والأصدقاء يثيرون أسئلة تتعلق بالمخاوف من غزو الصين للثقافة العربية، ومحاولاتها لأن تؤثر ثقافيا وتفرض الصيننة، ومنافسة الثقافة الأميركية أو الأمركة التي تشبع بها عالمنا العربي في العقود السابقة، وفي الحقيقة فإن هذه المخاوف ليست محصورة في دولنا العربية بل في أميركا ومعظم الدول الأوروبية، فخلال السنوات الماضية ارتفعت أصوات المثقفين في أوروبا مطالبة السلطات التشريعية بوقف التصاريح الممنوحة للصين لإقامة مهرجانات مرتبطة بالثقافة الصينية، مثل الاحتفال برأس السنة الصينية الذي تخصص له الحكومة الصينية الكثير من الاستعدادات والإمكانات لإقامته في أهم مدن العالم مثل سيدني ودبي وباريس ولندن ونيويورك وغيرها، والانتخابات الأميركية لم تخل أيضا من الاعتماد على محاربة الغزو الصيني الاقتصادي والثقافي لكسب الأصوات، إذ صرح المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية دونالد ترامب بأن الصين تغتصب أميركا، وأنها المسؤولة عن أكبر عملية سطو في التاريخ، ووعد ناخبيه والمصوتين له بأنه لا يمكن له السماح للصين بأن تستمر باغتصاب أميركا، ورغم كل الاعتراضات وقوتها من مختلف دول العالم ومن كافة الأوساط الثقافية والسياسية والاقتصادية في أوروبا وأميركا على غزو الصين الاقتصادي والثقافي لبلدانهم، إلا أن الصين تملك مقومات كبيرة تجعلها لا تخضع ولا تلتفت لكل الأصوات المعارضة والمحاربة لثقافتها، وأهم هذه المقومات هي القوة الاقتصادية الضخمة، فالوضع الاقتصادي القوي للصين مكنها من فرض ثقافتها ولغتها على معظم التعاملات التجارية بينها ومعظم دول العالم، والصناعة الصينية استطاعت بفضل المنافسة القوية في مجال السعر من إغراق الأسواق العالمية بمنتجاتها، وجذبت مصانعها الشركات العالمية إلى أراضيها، وعقدت اتفاقيات سريعة وجادة مع العديد من دول العالم لإحياء طريق الحرير القديم من جديد، ونافست الشركات الأميركية والأوروبية في مجال الاستثمار في الدول النامية في مشاريع الطاقة والقطارات وتنفيذ مشاريع البنية التحتية وغيرها، واعترافا بأهمية الاقتصاد الصيني واللغة الصينية اعتمدت 62 دولة بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وكوريا واليابان ودول الاتحاد الأوروبي اللغة الصينية ضمن نظامها التعليمي الوطني استجابة لمتطلبات ومتغيرات سوق العمل الحالي، وزيادة الاحتياج لهذه اللغة كأساس لتطوير اقتصاد بلدانها المرتبط ارتباط وثيقا بالاقتصاد الصيني.
ومن أهم مقومات الصين لصيننة العالم هو تاريخها الثقافي الممتد لآلاف الأعوام، حيث يقول أكبر رجال أعمال الصين السيد وانغ جيانلين بعد افتتاحه مدينة "واندا" الترفيهية والمنافسة لمدينة ديزني في شنغهاي والتي استثمر فيها أكثر من 3 مليارات دولار "إن الثقافة الصينية قادت العالم لألفي عام، وبسبب تخلف الصين عن التطور وغزو الثقافات الأجنبية خلال الثلاثمائة عام الأخيرة تأخرنا، ولكن حان الوقت لنعيد الثقة بأنفسنا وثقافتنا". من المقومات أيضا قدرة الصين التعليمية، لديها ثلاثة آلاف جامعة في كافة التخصصات، ودعمتها الحكومة الصينية وشجعتها في مجال المنح التعليمية المجانية لاستقطاب الطلاب الأجانب من كافة دول العالم، وتستهدف وزارة التعليم الصيني استقطاب أكثر من مليون طالب أجنبي قبل العام 2020، ولا تمنحهم البعثة الدراسية وتدخلهم إلى التخصص الدراسي أو تمكنهم من البحث في مجال الدراسات العليا إلا بعد اجتياز دورة سنة دراسية كاملة في تعلم اللغة والثقافة الصينية، أو تفرض عليهم مناهج عن اللغة والثقافة الصينية ضمن الساعات الدراسية المطلوبة، وأسست مؤسسة كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية 500 معهد في كافة أنحاء العالم، رغم أن خطتها عند التأسيس أن يكون العدد 100 فرع فقط، ولكن للإقبال الكبير من الجامعات الدولية المختلفة على طلب فتح فروع لمعاهد كونفوشيوس في حرم جامعاتها ارتفع العدد وامتد إلى 126 دولة، يقوم فيها أكثر من 34 ألف معلم بتعليم اللغة والثقافة الصينية. وتملك الصين أيضا مقومات السياحة الضخمة، وللسياحة دور كبير لا يمكن إغفاله في مجال التأثير الثقافي، فقد استقبلت أكثر من 55 مليون سائح في عام 2010 فقط، وهذا العدد في ازدياد كل عام، يزورون فيها معالم الصين الثقافية والتاريخية، ويطلعون عليها وينقلون انطباعاتهم عنها إلى أصدقائهم ومتابعيهم عبر قنوات التواصل الاجتماعي.
مقومات الصين الاقتصادية والثقافية والتعليمية والسياحية والكثافة السكانية وغيرها كلها تصب في صالح تأثيرها الثقافي على الشعوب الأخرى، ويدعم محاولاتها الجادة لصيننة العالم، وأسأل كل القراء والأصدقاء الذين ناقشوني في قضية خشيتهم من صيننة الصين لعالمنا العربي، ما هي مقوماتنا العربية للتأثير الثقافي على الشعوب الأخرى أو مقاومة تأثير الثقافات الدخيلة؟ هل هي ما يراه العالم عنا ويسمعه في نشرات الأخبار اليومية من حروب وهجرة؟! أم عمليات داعش في ليبيا والعراق؟!، أم الخلايا الإرهابية التي وجدت مكانها الآمن في شامنا ويمننا؟!