لي جارة سبعينية أنيقة ومثقفة وتعرف الكثير عن ديننا وثقافتنا بحكم أصولها الصربية. يحلو الحديث مع هذه الجارة التي تحب الحياة بكل ما أوتيت من طاقة وحواس. فلديها دائما ما تخبرني به مما يشجّع على التفكير والتأمل فيما حولي. مؤخرا جاءت هذه الجارة اللطيفة إلى عتبة بابنا وهي تحمل لي طبقا من الحلوى وهنأتني بقرب شهر رمضان وقالت لي بفخر إنها هي أيضا تصوم شهرا كل عام لإراحة جهازها الهضمي واستعادة نشاطها وحيويتها. أضافت (?يسنا) وهو اسمها أنها تقضي هذا الشهر في منتجع صحي وتغلق هاتفها المتنقل أغلب الوقت، وتمارس "اليوقا" والتأمل بغية التخفف من الارتباطات ورغبة في الاقتراب من ذاتها أكثر، لأن هذا يجعلها ترى الأمور بشكل مختلف. كانت تتحدث عن التجربة بشغف طفلة!

ابتسمتُ بكل جوارحي غبطة للحيوية في حديث هذه المسنة الوحيدة وهي تصف صيامها الاختياري البعيد عن الكماليات، وأكلها البسيط خلال فترات الصيام والذي لا يتعدى لقيمات في اليوم، وكيف أنها تخرج سنويا من التجربة بسعادة وصفاء ورغبة في الحياة، بالإضافة لخسارتها بعض الكيلوجرامات. لم يسعني وأنا أستمع إليها إلا أن أتذكر فهمنا الفريد لرمضان وموائدنا العامرة فيه بكل ما لذّ وطاب، بل وأطباقنا التي لا نتذكرها إلا في هذا الشهر المبارك وكأننا كنّا غافلون عنها قبله أو كأنها ستختفي بشكل سحري بعده. تذكرتُ كذلك برامجنا ومسلسلاتنا وفوازيرنا واستعداد فضائياتنا طوال السنة من أجل احتكار المشاهدين بالغث والسمين! تذكّرتُ عبوس بعضنا طوال يومهم وكأن هذه الهيئة المتجهمة ارتبطت بالصيام وأضحت من أخلاقياته! ودّعتُ جارتي اللطيفة وأنا أفكِّر كيف اخُتطفتْ منّا قيمة الصيام؟ وكيف فرّطنا في الهدف الأسمى من هذه الفريضة وهو من وجهة نظري تجويع الجسد وتغذية الروح وتهذيب الغرائز؟

الصيام إقبال على الإقلال من الملذات الحسيّة بوعي وطيب نفس وباستشعار الامتنان لله سبحانه بأن بلّغنا موسم الطاعة، فكيف صار صيام أغلبنا عذرا للتراخي والتكاسل والتفريط في شؤون مهمة للخاصة والعامة؟

في الواقع ينام بعضنا أغلب النهار ويضيّع فروضا واجبة وعذره في ذلك أنه صائم ثم يقف متخما في التراويح رافعا يديه للسماء، ناسيا بذلك أولى أولويات الدين من وجوب الصلاة في وقتها! من المشاهد أيضا أن يتناسى الموظف أن أمانة العمل تحتِّم عليه الإحسان فيه والقيام بمهامه وهو صائم كما يفعل في أيام فطره، وأن ذلك عبادة يؤجر عليها في الدين والدنيا.

لا أظن أغلبنا يحقق المراد من الصيام بل ما يحدث هو تمرّدٌ على الساعة البيولوجية وإرهاق للأجهزة الهضمية وإغراق لبقية الحواس في ضوضاء القنوات والتواصل المفرط مع الآخرين! لذلك نخرج من ليالي هذا الشهر المبارك مثقلين بالأوزان ومحمّلين ببعض العلل والأسقام ومرهقين من سلوكياتنا الاجتماعية. وإذا أضفنا لذلك ضياع ما تبقى من الأوقات في متابعة ما يطرحه الإعلام سندرك أننا مع الأسف لم نصمْ كما يجب ولم نفرِغ كؤوس أرواحنا مما ملأناها به طوال العام!  

ثم لنسأل أنفسنا بصراحة: هل نحن المسلمون الوحيدون في هذا العالم؟ لماذا تستمر حياة غيرنا من المسلمين فيذهبون لأعمالهم ويضربون في الأرض ويخرجون في أوقاتهم للدراسة أو للعمل مع الصيام دون شكوى أو تذمّر؟

أعتقد أن علينا إعادة اكتشاف رمضان لنلمس أثره على خارطة ذواتنا! أتمنى لو راجعنا مقاصد الصيام وأجّلنا ما لا يتفق مع هذه الفريضة أيا كان لوقتٍ آخر ففي بقية العام سعة! ليراجع كل منا تصرفاته بوعي، فالجسد كالطفل كلما أعطيناه أمعن في الطلب، وكلما ارتفع سقف ماديته انخفضت إنسانيته! ليتنا جميعا نكسر هذا القيود المادية ونحلق قليلا بصيامنا نحو الروحانية المأمولة. إن هذه الأيام الثلاثين هي زوّادة العام للروح والجسد لمن أحسن استثمارها وملك زمام نفسه فيها ليخرج منها أنقى سريرة وأرق فؤادا وأصفى روحا. تقبل الله طاعة الجميع.